للزائر

 

 

 

شذرات من يوميات سجين سياسي. (الجزء الأول والثاني)

بقلم: الطالب و المعتقل السياسي الصحراوي سعيد مصطفى الخير البيلال

رقم الاعتقال: 33190. السجن المحلي بسلا المغربية

 الجزء الأول: بين المخافر: رحلة الأصفاد و الأحقاد

   استيقظت في ذاك الصباح المميز كعادة كل صباح تشرق أشعته عبر نوافذ منزل الأخ والصديق و الرفيق المعتقل السياسي السابق لعدة مرات الناشط الحقوقي و الكاتب العام للجنة الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان بالسمارة/ الصحراء الغربية. المناضل " حمادي الناصيري"، حيث كنت قد بت ليلتي عنده كالعديد من الليالي كان ذلك يوم 26 دجنير 2007 بحي السلام الصامد المطل على واد " الكايز" الصغير. ودعت رفيقي الناصيري وزوجته المناضلة و الصديقة و الرفيقة سلكها سعيد بيبا ، على أمل أن أعود في وقت آخر من نفس اليوم، تركتهم قلقين ومتوجسين، والسبب أنني ذاهب إلى مخفر الشرطة ( الدائرة الأولى بالسمارة المحتلة) ، من أجل تجديد بطاقة الاحتلال التعريفية رافقني على الساعة العاشرة من ذلك الصباح الصديق و الرفيق محمد الذهبي، استلقينا سيارة للأجرة من الحجم الصغير تسامرت و رفيقي ببعض الحديث قبل أن يتوقف محرك السيارة معلنا بذلك نهاية الرحلة القصيرة، دلفت و رفيقي المخفر اللعين، سألني أحدهم عن حاجتي، أخبرته إياها، سألني عن اسمي الكامل أجبته على الفور دون تردد، تغيرت ملامح و جهه، رد قائلا يمكنك مرافقتي إلى مكتب آخر، أحسست حينها أن هناك شئ سيحاك لا محالة، خاصة و أنهم أشاروا لرفيقي بالمغادرة خارج المخفر ، اقتادني ذلك الشرطي المدعو " بلفاسي" إلى مكتب يوجد آخر الرواق.

جلست على احد الكراسي القليلة بذاك المكتب الخالي من أين كان سواي، بعد عشرة دفائق تقريبا بدء أفراد الشرطة في الاقتراب تباعا من باب المكتب لإلقاء نظرة علي دون النبس ببنت شفة، كانوا يتفحصوني بنظرات خاطفة ربما يتسابقون نحو مشاهدة مناضلا صحراويا يظنون عن غباء انه سقط بين أيديهم، و بعد نصف ساعة تقريبا من ذلك المشهد المتكرر، دلف إلى المكتب الضابط المدعو " إسحاق" فسألني هل تدرس بالرباط؟  فأجبت بالإيجاب، ليخرج بعدها و يعقبه شرطيان بزي مدني جلس أحدهم على كرسي بينما استمر الآخر في الوقوف، هذا الأخير كان يتظاهر من محياه الشر، من خلال تكشيرة علت وجهه القبيح، و نظرات كلها حقد و كراهية، سارعني، الشرطي الجالس بسؤال عن هويتي بلهجة حسانية خالصة. رديت على سؤاله باسمي الثلاثي، وعن تاريخ و مكان ميلادي: 1978 بالعيون المحتلة كان ذاك جوابي، بادرني بعدها بسؤال عن المستوى الدراسي, حينها سارعت بسؤال مقابل. هل هذا تحقيق؟ أجاب نعم فقلت له على أي أساس فأجاب تحقيق روتيني فأجبته بدوري لن أتجاوب مع هذا التحقيق سواء كان روتيني أو استثنائي. و أود أن أعرف لماذا أنا هنا و ماذا تريدون مني بالضبط. حينها سارع الضابط الواقف بالرد بحنقة ، أنت موضع اعتقال على خلفية مذكرة بحث على المستوى الوطني من طرف الضابطة القضائية بالرباط, أجبته بدوري و بصوت جاهر، مادام الأمر كذلك. فلست مضطر إلى التجاوب معكم كضابطة قضائية بالسمارة  المحتلة ، لم يستسغ جوابي. هذا الضابط عرفت فيما بعد انه احد أسوء الجلادين المغاربة بالسمارة المحتلة ويدعى " عبد الصمد" و كان سابقا قد أشرف على تعذيب أختاي " ابابة" و" النجاة البيلال"، خرج الاثنان بعد امتناعي عن التجاوب مع التحقيق، فعقبهم  4 أفراد آخرين من الشرطة اقتادوني إلى مكتب ثالث يعود إلى رئيس الشرطة القضائية. حيث أجلست على كرسي مقابل لمكتبه أكد لي الأخير أنني رهن الاعتقال على خلفية مذكرة بحث صادرة من الرباط. و انه ينتظر التعليمات حول مصيري، أعادوني إلى مكتب آخر مرفوق بحراسة ثلاثة من الشرطة، بقيت على تلك الحالة حتى حدود الساعة الثانية زوالا ، حينها رأيت أحد رجال الشرطة الذي كان من بين الحراس ،و هو يتأبط حقيبة صغيرة خاصة بالسفر، عرفت حينها أنهم يتجهزون للسفر أي لنقلي إلى وجهة أخرى وصل إلى سماعي صوت نسوي بعيد، أدركت أنه صوت والدتي " الغالية احمد سالك النفاع "، استدعيت أحد الحراس و قلت له أريد أن التقي بوالدتي ، فأجاب أن التعليمات مشددة و أنت ممنوع من لقاء أي كان عرفت حينها أن عائلتي و رفاقي قد علموا باعتقالي.

كنت اعرف قبل أن اذهب لمخفر الشرطة أن هناك احتمال اعتقالي, لكنني و رغم هذا الاحتمال الكبير كنت مصر على الذهاب, و هنا لابد أن أفسر أسباب هذا الإصرار. كنت أعرف أن أجهزة الأمن بالرباط كانت تتحين الفرص طيلة السنوات الماضية من أجل اعتقالي. و كنت اعرف أنهم يلاحقوني و أنني موضوع تحت المراقبة، كانت تصلني تهديداتهم و وعيدهم. خاصة بعد كل معركة نضالية نخوضها كطلبة صحراويين بالموقع الجامعي الرباط. كما كنت أعلم  أنهم أدرجوا اسمي لافي المحاضر المطبوخة التي نسجت لرفاقي الأبطال التسعة الذين اعتقلوا فجر 17 ماي 2007. على خلفية الاعتصام الذي نظمناه بتاريخ 9 ماي نفس الشهر للتضامن مع إخواننا الطلبة الصحراويين ضحايا آلة القمع المغربية بباقي المواقع الجامعية و على رأسهم البطلة و الطالبة والناشطة الحقوقية "سلطانة خيا"والذي رفعنا خلاله لافتات بعدة لغات نطالب من خلالها بتقرير مصير الشعب الصحراوي و استقلاله، والأبطال التسعة هم:

"محمد علي ندور"،" مولاي أحمد عيلال"، "لخليفة الجنحاوي"، "عبداتي الدية"، "الحسين الضالع"، "محمد الناجم الصغير"،" محمد العلوي"،" الولي الزاز"،" إبراهيم الغرابي".

 و بعد عدم تمكنهم من اعتقالي ذاك الصباح زجوا باسمي في تلك المحاضر المحبوكة على أني العقل المدبر والمحرض وبأنني في حالة في حالة فرار, و هنا لابد من تأكيد أمرهم و في غاية الأهمية و الخطورة. و هو إن إصدار مذكرة بحث في حقي كانت ترمي حسب و جهة نظري البسيطة إلى تكبيلي و تكميمي و الحد من نضالي و حضوري في الساحة الوطنية ، و قد علمتنا التجربة النضالية أن دولة الاحتلال تحيك مسألة مذكرات البحث من اجل وضع المبحوث عنهم أمام خيارات عدة و هي:

الخيار الأول: لجوء المبحوث عنه إلى سلطات الاحتلال خاضعا و نادما و شروعه في الخضوع لمشيئتها ، أي أنه يفضل الاحتواء و المساومة على الإقصاء و المقاومة.

حينها تقدم هذه السلطات على إقبار مذكرة البحث في حقه في مقابل تقديمه لقرابين الولاء والانحناء ، والتبرؤ من النضال و الساحة الوطنية، و الارتماء في أحضان الاحتلال بنعيمه الزائل، وهذا الخيار هو ما تبتغيه دولة الاحتلال.

الخيار الثاني: لجوء المبحوث عنه إلى بدائل أخرى و هي مغادرة الوطن المحتل على متن أقرب قارب من قوارب الموت نحو ديار المهجر، متناسيا أن سلطات الاحتلال هي من أوجدت له بطريقة غير مباشرة كل الظروف لهكذا رحلة بدءا من الشبكة المشرفة وصولا إلى الزورق، ربانه وكافة التجهيزات ،و هنا و رغم أن المبحوث عنه يظن أنه فر يجد له دون الارتماء ، في أحضان الاحتلال إلا أنه وللأسف حقق للاحتلال ما كان يصبو إليه و هو إفراغ المناطق المحتلة من شبابها الفاعل و من قواتها الحية .

الخيار الثالث: يلجأ المبحوث عنه إلى الاختباء و التخفي والتنقل من مكان إلى آخر دون أن يمكث فيه أكثر من أيام معدودة، ويعمل أثناء تنقلاته على الابتعاد عن أعين الأجهزة الأمنية، خاصة الأماكن العامة و نقط المرور وعن تجمعات الصحراويين و الابتعاد عن أماكن النضال والفعل الوطني ليس تراجعا عن النضال وإنما التوجس من الاعتقال و الاختطاف و بذاك تكون سلطات الاحتلال حققت مبتغاها، حيث ينتقل هاجس المناضل من مناهضة الاحتلال و النضال ضده إلى معركة أخرى و هي كيف ينجو من الاعتقال، ورغم أن الخيار ليس كسابقيه إلا انه يحد من فاعلية المناضل و من جرأته و اندفاعه و مقارعته للعدو، وهذا أقل ما يريده الاحتلال.

الخيار الرابع: مواجهة المبحوث عنه للأمر الواقع و استمراره في النضال ومواصلة مسيرته رفقة إخوانه وأخواته، وهنا تكون احتمالات اعتقاله أكثر ورودا إلا أن المناضل يفضل الاعتقال والمقارعة والتعذيب والسجن والمحاكمات و يحولها إلى ساحات أخرى للفعل الوطني و بذاك يوجه صفعة للاحتلال.

و مهما كانت المدة السجنية فإنه في آخر المطاف سيخرج رافعا رأسه و يواصل المسار الذي لم يتوقف بالنسبة إليه ،وبذاك يعطي المثال لبقية المبحوثين عنهم و هم كثر على نجاعة هذا الخيار الذي تخشاه سلطات الاحتلال كثيرا لأنه يشكل لها تحديا و جرأة. و يكون بذلك المناضل شوكة تستعص على الابتلاع و جمرة تحرق كف الاحتلال إن احتفظ بها و تحرق محيطه إن تخلص منها. و ذاك هو المراد من المناضل الجمرة.

أمام هذه الخيارات و كوني احد هؤلاء المبحوث عنهم فقد فضلت الخيار الرابع، و لأن بطاقة تعريفهم كانت قد ضاعت مني، مما يعني معه أنني مهدد في كل لحظة بالسؤال عنها من طرف أية دورية تمشيطية أو مخفر للشرطة أو نقطة للمرور ،فإنني فضلت أن أذهب بقدمي إلى الكوميسارية للتبليغ عن ضياعها ،و ليكن بعدها الاعتقال، ففنا شخصيا لم يتعود على الخنوع والاستسلام و لا الاختباء و أعارض خيارات مغادرة الوطن المحتل و إفراغ المنطقة، وفضلت رحلة المجهول والاعتقال والتعذيب والسجن والمحاكمات على الخنوع وطأطأة الرأس والانحناء لعدوغازي محتل ، ومنذ وطأت قدماي ذلك المخفر جهزت نفسي جيدا لخوض غمار الرحلة القادمة و وضعت نصب عيني هدفا واضحا و هو الصمود مهما كانت تفاصيل الرحلة القادمة، على الساعة الثالثة بعد الزوال ولج إلى الغرفة أربعة أفراد من الشرطة، و أخبروني بضرورة مرافقتهم، اقتادوني في ذلك الرواق نحو باب المخفر، أمسك أحدهم بذراعي فيما تراص الباقون من حولي. توقفت فجأة و قلت للشرطي الممسك بذراعي: أزل يدك من ذراعي وسأذهب معكم أينما يريدون. رد على الفور: تقدم و لا تكثر الحديث أجبته بحزم لن أخطو خطوة أخرى قبل أن تزل يدك عن ذراعي ، انصاع في آخر المطاف للأمر ، وبمجرد أن غادرنا بوابة المخفر حتى وجدت أمامي سيارة من نوع رونو طرؤافيك في الإنتظار وما إن اقتادوني لبابها الخلفي حتى سمعت صراخا وضجة في الحوار التفت إلى يميني فإذا بي أشاهد تجمعا لافراد عائلتي ورفاقي والنشطاء الحقوقيين وفي حالة احتجاج على اعتقال وفجأة تمسك رجل الشرطة بتلافيفي وبسرعة البرق أصعدوني لقلب السيارة ، وأحكموا إغلاق بابها بعد أن صعد بعضهم، نظرت عبر وجاج الباب الخلفي للسيارة ، تمكنت من رؤية ذلك المشهد الذي لن أنساه ما حييت، والدتي ووالدي وأخواتي وأصدقائي ورفاقي والعديد من الصحراويين والصحراويات تجمهروا حول السيارة من كل صوب ومنهم من انتصب أمامها لعرقلة تحركها ؟، والجميع في حالة صراخ واحتجاج ، تدخل باقي أفراد الشرطة لإبعاد المواطنين الصحراويين عن السيارة وفي سرعة البرق أشتغل المحرك وبدأ ينفث دخانه رفعت شارة النصر واقتربت من الزجاج الخلفي كنت أنظر من خلالها الى عائلتي ورفاق ورفيقاتي وهم يهرولون في اتجاه السيارة التي ابتعدت بمسافة طويلة، رأيت في عيونهم وداعل وقلقا وتوجسا يشع منه عطفا وتضامنا كان بمثابة السند الذي تزودت به في تلك اللحظات، اتجهت السيارة بسرعة نحو المحكمة الابتدائية بالسمارة المحتلة ، كان ذلك مجرد مناورة وتمويه ولم تكن هي الوجهة الحقيقية ، بعدها واصلت المسير في اتجاه الملعب الرياضي شمال المدينة ، حينها أخرج أحدهم الأصفاد من خسره وكبل يدي ، نظرت الى تلك الأصفاد، وتذكرت حينها أحداث ماضية وارتبطت بهذه الأصفاد، فعلى طول السنوات الماضية لطالما دخلت في مواجهات مع سلطات الإحتلال بالمدن المحتلة وبالموقع الجامعي الرباط ، ومشاحناة خاصة بعد كل معركة نضالية ، وكعادتها كانت السلطة تستخدم العصا والجزرة، أي الترهيب والترغيب ، فكانوا يهددوني بالقتل والإختطاف والإعتقال والتعذيب بشكل صريح ومباشر، أو عن طريق بعض الوساطات بشكل غير مباشر وكان ردي دائما ، افعلوا ما يطيب لكم فلا تنازل عن النضال حتى زوال الإحتلال وانتشاء لذة الإستقلال واقعا وكافة تراب الساقية الحمراء ووادي الذهب، هذا عن الترهيب والعصا ، وفي المقابل لطالما بعثوا بعض الوساطات من أجل الحوار وبحث صيغ التفاهم، وكان ردي، أنني فاعل سياسي وهم رجال أمن ولا حوار بين الطرفين، وأن أي حوار سيفتقد لأرضية النقاش ، لسبب واحد وهو أنهم يمثلون دولة الاحتلال المغربية، وأنا فرد من الشعب الصحراوي ، هذا الأخير ليه ممثل و إطار شرعي ووحيد وهو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي الوحيدة المسوغ لها التفاوض مع دولة الإحتلال، على أرضية تقرير المصير، ولا يمكن اختزال هذا التفاوض بأي حال من الأحوال في فرد أو مجموعة من الشعب الصحراوي مع دولة الإحتلال بأكملها فما بالك مع جهاز أمني أو أجهزة أو فرد ينتمي لهذه الدولة ، فمثل ما لهذه الأجهزة دولة تمثلها وتنتمي إليها ، نحن كذلك لدينا حركة تحرر تمثلنا وننتمي اليها، واي حوار خارج هذه الأرضية وفق تلك القواعد هو برأي مجرد خانة وارتماء في احضان المساومة الرخيصة وإعطاء دولة الإحتلال فرصة للتغلغل وإنشاء لذة العجرفة و الاحتواء وهذا لن يكون في حالتي مهما كان الحال، فلا حوار مع دولة الاحتلال ولا لقاء إلا في حالة الاعتقال، أي في حالة وضع الأصفاد في يدي، كل هذا تذكرته حين وضعوها في يدي ، حينها سرت في نفسي راحة ونشوة قل نظيرها ، فتلك الأصفاد الباردة واللعينة ترجمت في داخلي إحساس بالوفاء لقناعتي ومواقفي التي حملتها لسنوات مضت فلا لقاء بسلطات الاحتلال إلا لقاء الأصفاد وهذا ما كان ، وحتى هذا اللقاء لن يكون سهلا وسكون وبالا عليهم إن شاء الله.

وهنا يلزمني تذكير الوطنيين الصحراويين المخلصين للقضية و شهادائها، بأن الثورة الصحراوية مثل باقي الثورات التي عرفها العالم عبر العصور، فيها الوفاء والخيانة والصمود والانبطاح، وفيها رقاب وذمم مستعدة للمساومة والمتاجرة وبالمقابل فيها رقاب يسهل قطعها وهي في أتم الإستعداد لذلك لكنها عصية على الانحناء أوالخنوع لسياسة الأمر الواقع ولرغبات الاحتلال مهما كانت شراسة مخططاته وأساليبه المادية والمعنوية، لذا يجب على الوطنيين الصادقين، يظلوا دائما عصيين وممانعين بوجود آخرين يتاجرون بالقضية للأسف.

توجهت السيارة نحو نقطة المرور غرب المدينة عند المدخل الرئيسي للمدينة المحتلة، وجدنا سيارة أخرى في الانتظار، رافقت تلك التي نمتطيها، كان أمامنا طريقان ، الأول يتجه نحو مدينة العيون المحتلة، والثاني نحو مدينة الطنطان، واصلت السيارتان طريقهما نحو مدينة الطنطان، تأكدت حينها أن الوجهة هي مدينة الرباط المغربية لامحالة، بعد كيلومترين توقفت السيارتان، حيث وصلت ثالثة كان على متنها عميد شرطة الاحتلال بالسمارة المحتلة، وبعدى أخذ ورد، مع أحد الضباط المرافقين لي، عادت السيارتان فيما واصلت الأخرى التي تقلني السير نحو مدينة الطنطان، كانت تسير بسرعة فائقة، كنت أجلس مكبلا في الجزء الخلفي للسيارة رفقة فردين من الشرطة وهمة: المدعو مصطفى، والمدعو أمين بينما في مقدمة السيارة، كان يجلس الضابط المدعو رشيد، رفقة السائق حميد، ظل محرك السيارة ينفث دخانه، وظليت بدوري أنظر من خلف الزجاج الى المناظر الطبيعية التي تمخرها هذه السيارة، وكأني أودع تلك المناظر الجميلة، أشجار الطلح المتناثرة هنا وهناك، وشجيرات صغيرة متراصة تربط كل شبر من الصحراء بشبر آخر، وفي بعض اللحظات أشاهد أغناما ورعاة عائدين من الرعي، كل ذلك شكل لي أجمل لوحة يمكن لأرض الساقية الحمراء ووادي الذهب، أن تودع بها أحد أبنائها الذي يرحل قصرا منها نحو عقر دار دولة الاحتلال التي استباحتها منذ ثلاثة عقود أو أزيد، بعد ساعتين من المسير نحو مدينة كلميم حيث وجدنا آخرين في الانتظار والتقوا نفس النظرة ونفس الأمر بمدينة تينزنيت، وأخيرا مدينة أكادير التي وصلناها لنظرة ونفس اليوم، وأكد لي الضابط المدعو رشيد أن سيارة تلابعة للشرطة القضائية لمدينة الرباط في انتظار وصولنا لنقلي الى الرباط، تيبن أن هذا القول لا أساس له من الصحة بعد ذلك ، حطت السيارة الرحال أخيرا بمقر المخفر الرئيسي للشرطة بأكادير أو ما يسمى بولاية أمن أكادير، فاقتادوني إلى أحد المكاتب حيث وجدت عميد الأمن في انتظاري، تسلم بعض الأوراق من الضابط المدعو رشيد ، حيث وقع عليها للدلالة على تسلم هذا الصيد الثمين في تنظرهم ، أكد لي ذلك العميد أن اكادير هو فقط محطة عبور وبأنهم في انتظار وصول  مسؤولين من ولاية أمن الرباط ، اقتادوني بعد أن وضعوا في أيدي أصفاد أخرى بدل تلك التي كانت والتي تسلمها أصحابها بعد أنو وضعوا في أيدي أصفاد أخرى بدل تلك التي كانت والتي تسلمها أصحابها بعد أن وضعوا في أيدي أصفاد أخرى بدل تلك التي كانت، والتي تسلمها أصحابها، نحو الطابق الأرض للمخفر حيث كل زنزانة على شاكلة قفص، وهناك خمس زنازن متراصة، ومكتب خاص بالحراس، نزع هؤلاء حزام سروالي وبعض النقود والوثائق ليقتادوني إلى الزنزانة الأخيرة، دلفت إلى تلك الزنزانة النتنة، كان طولها 3  أمتار تقريبا وعرضها مترين، وفي أحد أركانها يوجد مرحاض صغير يقبع في الزاوية، تفوح منه روائح البول والغائط المتراكمة حوله، مدني أحد الحراس بغطاء بالي لا يختلف كثيرا عن فصيلة المرحاض، إن لم يكن هذا الغطاء بمثابة مرحاض متنقل ، ظللت لساعات طوال أتمشى داخل تلك الزنزانة، وبعد أن اشتد بي العياء والتعب والجوع والعطش، لم أجد بد من افتراش، ذلك الغطاء الكريه، جلست عليه واستندت بظهري نحو الحائط، وبعد مقاومة تمكن النوم من التسلل إلي، لم يدم طويلا حيث استيقظت فجأة على وقع لسع البرد القارص، الذي اشتدت لسعاته مع اقتراب فجر اليوم الموالي، كنت وكأني في العراء بل في مكان أفضل منه العراء بمئات المرات، فهذه البقعة من المخفر تقع في الطابق الأرضي، لا تدخلها أشعة الشمس ولا تيارات الهواء، تعج الرطوبة والروائح النتنة، والمياه التي تبلل أرضية الغرفة نتيجة القطرات الدائمة لصنبور المياه المحاذي للمرحاض تلك القطرات التي تعزف باصطدامها بالأرضية معزوفة مزعجة تحرمك من نعمة النوم مهما كانت حاجتك لها، وأنا جالس على ذلك ذلك الغطاء النتن مستند على ذلك الحائط المتسخ والبارد، بتلك الزنزانة القذرة، مع تلك الرائحة الزاكمة للأنف وأصوات قطرات المياه، ومع لسعات البرد القارص، بدأت فير التفكير وانتشال الذكريات من الماضي البعيد علها تسليني في ليلي الطويل، الذي أسامر فيه بيئة من القذارة والنتانة، في تلك اللحظات يصبح التذكر سلاح قادر على الرحيل بالروح والفؤاد من ذلك المكان ويحط بك في عوالم أخرى خالية من مواصفات المكان ، تذكرت حينها وجوها عزيزة علي ورفاق ألفت صحبتهم ، وبدأ وسواس الأسئلة ينخر ذهني في تلك اللحظات، ماذا فعلوا برفاقي وعائلتي  التي تركتها أمام ذلك المخفر بالسمارة في تلك اللحظة الى رفيقي حمادي "حمادي الناصيري" ولعائلته الرائعة، فكرت حينها أن أصدقائي ورفاقي بالمدن المحتلة والمواقع الجامعية لن يهدأ لهم بال وأن القلق والتوجس ينخر يومياتهم.

ظليت على تلك الحالة لساعات طويلة كنت أبحث خلالها عن أي شيء أسامر به ليلي الطويل واقتل به الوقت اللعين، بدأت احدق من جديد في الزنزانة، شاهدت صراصير تخرج من المرحاض الصغير تجول وتصول إلى الاستعانة بالذكريات من جديد التي كان بساطها جاهزا لنقلي إلى أي مكان أريد، كان البرد هو الوحيد القادر على انتزاعي من ذكرياتي  والعودة بي إلى الواقع. على طوال ساعات الليل ظل الحراس يراقبوني من بعيد دون أن ينبسوا ببنت شفة.

 وأخيرا أطل الصباح، لم أعرف ذلك عن طريق أشعة الشمس لأنها لا تصل إلى حيث أنا في هذا القبر الكبير، بل عرفت ذلك عندما دبت جلبة في المكان، حيث أنهى الحراس مداومتهم فاستبدلوا بآخرين، وعند تسليم المهام تهامسوا فيما بينهم والتفوا نحوي، عرفت حينها أنهم أعطوهم توصيات حولي، كنت جالسا بتلك الزنزانة الشبيهة بالقفص، ظل رجال الشرطة يلجون إلى عين المكان، ليلقوا علي نظرة ليغادروا بعدها و يبدوا أن الجميع وصل إلى مسامعهم وجودي بمخفرهم اللعين، لذلك لم يلؤوا جهدا من أجل مشاهدة هذا الإنسان القابع خلف القضبان و الذي صحبته هالة منذ أقتيد من السمارة المحتلة، ونعت بمواصفات عديدة كلها تجمل مغازي الخطورة والجذر والتوجس.استدعي ت أحد الحراس و أخبرته أني أريد أن أتوضأ ومكانا نقيا أصلي فيه أجابني باستهزاء, توضأ في مرحاض الزنزانة وصلي حيث أنت,فلدينا تعليمات صارمة بألا تغادر الغرفة ونحن ممنوعون حتى من الحديث معك.

فهمت حين إذن سر نظراتهم لي المتوجسة، وسر تلك الإطلالة التي ما فتأ كل واحد منهم يجريها لزنزانة القذارة التي أتواجد بها، أخذت قنينة فارغة وعبأتها بالماء وتوضأت قرب بوابة الزنزانة، وأخذت خرقة بالية نظفت بها إحدى زوايا الزنزانة حيث مددت معطفي على المكان وأديت صلاتي, وظليت محتفظ بوضوئي وفي كل صلاة كنت أستعين بمعطفي الذي تحول إلى غطاء في الليل وفراش في النهار وسجادة لأداء الصلاة.

بقيت على تلك الحالة حتى وقت متأخر من نفس اليوم، أحسست بتعب وحالة من الإجهاد تنخر جسدي المتهالك، نتيجة السهر والبرد والجوع, وضعت رأسي على ساعدي الأيمن في تلك الزاوية, خلدت إلى النوم العميق، لم أعرف كم من الوقت مر على ذلك، لم أستيقظ إلا بعد أن أحسست بالباب يفتح وتعقبه ضجة وصياح ووابل من السب والشتم، فتحت عيني المتأفيلتين وبعد هنيهة تفحصت المكان فإذا بالحراس يقذفون بسجين من الحق العام داخل الزنزانة، ويغلقون الباب بعد ذلك، بعد أن كالوا لهم مختلف أشكال الكلام القبيح، كانا شابين في مقتبل العمر في حالة سكر تام، ظلوا قرابة الساعة يتفوهون بكلام غير مفهوم، كان أقرب إلى اللهجة الأمازيغية، رمى لهم أحد الحراس بغطائيين ليسا بأحسن حال من ذاك الذي منحت أياه، ولأنهم كانا ثملين للغاية فلم يستطيعا بسط الغطائيين، حينها أخذت الغطائيين وبسطتهما على أرضية الزنزانة، وبعد أن أصابهم التعب من الصراخ والوقوف، هجعا إلى فراشهما وناما نوما عميقا، نوما لطالما حسدتهما عليه تلك الليلة التي لم تختلف كثيرا عن سابقتها سوى بالنزيلين الجديدين، اللذان أضافا برائحة الخمر نتانة أخرى على تلك الروائح التي يعج بها المكان، وأضافا بشخارهما أثناء نومهم ضجيجا وإزعاجا انصهر مع معزوفة قطرات الصنبور في بوتقة من الضوضاء تبعث على المس والجنون، وبعد ساعات من ذلك الحال المزري، استيقظ أحدهم وسألني عن مشكلتي، سردت عليه أسباب اعتقالي وقناعاتي، ثم أكد لي أنه يشتغل كمرشد سياحي بأكادير وانه وصديقه زج بهما معي في نفس الزنزانة لكون الزنازن الأخرى قد تكدست بالسجناء، واستيقظ صديقه وانضم بدوره إلى حديثنا، بقينا على تلك الحالة والحقيقة أنني أنست بصحبتهما وتبادل الحديث معهما، اخبراني أنهما سيفرج عنهما في نفس اليوم لان مشكلهما هو السكر العلني وهي تهمة بسيطة، حينها أخذت قطعة من ورق علبة التبغ ولففتها جيدا على شاكلة قلم وأخذت قطعة أخرى ودونت فيها رقما هاتفيا لأحد الأصدقاء و استعنت في ذلك برماد أعقاب السجائر الذي بللته بالماء حيث أضحى كالدواة و قطعة الورق الملفوفة مثل الريشة، دونت في قطعتين من الورق رقمين لصديقين و سلمت السجينين كل واحد على حدى إحدى القطعتين، و وعداني بمهاتفة أصدقائي بمجرد الإفراج عنهما، علمت فيما بعد أن أحدهما نفذ وعده. وكان لمكالمته الفضل الكبير في تمكن عائلتي و رفاقي والجميع من معرفة مصيري بعد ثلاثة أيام من رحلة المجهول.

 ودعت السجينين اللذان اقتيدا من الزنزانة، عدت لوحتي و عزلتي و زنزانتي كان ذاك اليوم هو يوم الجمعة 28 دجنبر 2007 أي اليوم الثالث من الاعتقال. وبينما أنا جالس في تلك الزنزانة إذا بصوت جلبة وضجيج، حيث دلف إلى المكان العديد من أفراد الشرطة، توجهوا مباشرة نحو زنزانتي، و توقفوا كان أحدهم أسمر البشرة، عريض المنكبين، وطويل القامة، ويبدوا من الهالة المعطاة له و حجم احترام البقية له أنه ذو شأن كبير بينهم، سألني بنبرة جدية، هل أنت فلان، أجبته بالإيجاب، أومأ إلى الحراس الذين سارعوا إلى فتح الباب، أخرجوني من الزنزانة و وضعوا خرقة بالية على عيني وكبلوا أيدي بالأصفاد من الخلف. ومن ثم صعدوا بي نحو الطابق العلوي، أدخلوني إلى ما يشبه أحد المكاتب وأجلسوني على أحد الكراسي، سألوني عن الاسم والعائلة والمستوى الدراسي. ومن ثم بادر أحدهم بلهجة حسانية خالصة إلى سؤالي عن حضوري لأشغال المؤتمر الثاني عشر بمنطقة تفاريتي أجبته أنني لم أحضر جسديا للمؤتمر لكن الأكيد أنني كنت حاضرا معنويا وروحيا كبقية الشعب الصحراوي الذي تعذر عليه الحضور الجسدي. عاد ليسألني مجددا عن نفس الموضوع. مؤكدا هذه المرة أنهم لديهم أدلة و براهين على حضوري للمؤتمر عدت إلى نفس الجواب مؤكدا هذه المرة، أنني لا أستعير من حضوري بل هو فخر لكل صحراوي، لكن الحقيقة أنني جسديا لم أكن حاضر فأنا لا أتوفر على جواز سفر لكنني معنويا كنت حاضرا و كنت متتبع لأشغاله و فعالياته عن طريق وسائل الإعلام الصحراوية و الدولية.

اقتادوني بعد ذلك إلى مكتب آخر. حيث أزالوا العصابة عن عيني، و التقطوا لي صورا في كافة الجوانب بعد أن حملوني ورقة كتب عليها إسمي و رقم مجهول لا أدري ما هو. بعدها أعادوني إلى الطابق الأرضي مثلما أتوا بي.

بقيت جالسا في تلك الزنزانة إلى حدود الساعة الرابعة مساءا، حيث دلف إلى المكان 3 أفراد من الشرطة، ووضعوا الأصفاد في يدي وعصبوا عيني بخرقة أخرى، وأقتادوني إلى الطابق العلوي من جديد و من ثم إلى خارج المخفر حيث صعدوا بي إحدى السيارات الخاصة بالشرطة، والتي مددوني على أرضيتها من ناحية البطن، وكبلوا يدي اليمنى مع أحد الكراسي الثابتة وكذلك فعلوا باليسرى مع كرسي آخر في الجانب الآخر.

 انطلقت السيارة في اتجاه مجهول، بعد أن أفقدت نعمة البصر عنوة بفعل تلك العصابة، بدأت في الاستعانة بالحواس الأخرى خاصة السمع، وبفضله تمكنت من تحيدي عدد الأفراد المرافقين، كانوا على الأقل 6 أفراد، ظلت السيارة تمخر عباب الرياح نحو المجهول، كنت حينها أخمن حول الوجهة التي ربما تكون هي الهدف من هذه الرحلة، كل الاحتمالات زارت مخيلتي، اتجاه العيون المحتلة. العودة إلى السمارة المحتلة، الاتجاه نحو الرباط، أوالدار البيضاء أوتمارة. كل شئ وارد.

السيارة تخترق الطريق المجهول، الأصفاد اللعينة تأكل من معصمي، القماش المشدود يأكل عيني، ما أجمل نعمة البصر، حقيقة تأكدت لي في تلك اللحظات المظلمة..!

ما أعظم البطلة سلطانة خيا، التي و في رمشة عين فقأت عينها ببرودة دم على أيدي الأوغاد، ما أروعك يا سلطانة النساء، وأنت تواجهين العنجهية وسادية الجلادين، ما أشجعك و أنت تضعين نعمة البصر قربان من أجل الحرية من أجل عيون الشعب الصحراوي، كلنا عيونك يا سلطانة، كلنا بصرك يا سيدة النساء في تلك اللحظة تذكرت هذه البطلة العصية على الوصف و على التقدير و التثمين.

تأملت كثيرا من تلك الوضعية التي اختاروها بقصد، كنت ممددا وسط غابة من الأرجل لأوغاد لا يعرفون الرحمة، كان استهزائهم و سبهم أصعب و أقسى من قبضة الأصفاد و وضعية الجلوس، صاح أحدهم باستهزاء: "أنت من سيحرر الصحراء..!؟.."حررت نفسك بعد..!" وانخرط بعدها في هيسترية من الضحك.. و كذلك فعل البقية... صاح آخر "صحراويين شبعتم و لم تحمدوا الله" والجميع في حالة من الانتشاء و القهقهة.. فكرت في الإجابة حينها إلا أنني عدلت عن ذلك لأني متأكد أن "جواب المحكور سكاتو" و أن أي حوار و أخذ و رد مع هؤلاء لا يعد و أن يكون نقاشا عقيما و النفخ في قربة مثقوبة و صب الماء على الرمال.

ظلوا لزمن طويل و هم على تلك الحالة. قلت لهم بصوت جاهر أريد ان أدي صلاة العصر.. أجاب أحدهم: هذا وقت العشاء.. أردف آخر: صلي بعينيك و شرعوا كالعادة في تلك القهقهات الصاخبة، بعد حين أمسك أحدهم بيدي اليسرى. و فك الأصفاد، وساعدني على الجلوس. و بقيت الأصفاد الأخرى تكبل يدي المنى، استويت في جلستي و أديت صلاة التقصير وأنا في حالة جلوس، لم يحترموا هذه الصلاة حيث لم يتوقفوا عن الاستهزاء وتوجيه الكلام النابي و البديئ.

 لم أعرف كم مر من الزمن، وبعدها أحسست أن السيارة دخلت أجواء مدينة حيث و صل لسماعي رنين السيارات و أصوات آدمية، تلك الضوضاء الموسومة بها كل مدينة، ما فتأت أن عرفت أننا بمدينة مراكش، عرفت ذلك انطلاقا من الأصوات الكثيفة لمنبهات الدراجات، حينها بدأت الاحتمالات تتقلص، و تأكدت أن السيارة التي تقلنا تتجه في اتجاه طريق الدار البيضاء والرباط.

لم تتوقف السيارة بهذه المدينة، بل واصلت مسيرها، مثلما لم تتوقف المكالمات الهاتفية التي يستقبلها رجال الأمن بنفس السيارة، كنت أسمع إجاباتهم على تلك المكالمات، كان بعضها على الشكل التالي:"نعم إنه بصحبتنا"_ "نحن في الطريق" " سنكون عندكم على الساعة العاشرة ليلا"_كل الأمور تسير على خير و على ما يرام"...

قال احدهم: "لقد أزعجونا بالمكالمات الهاتفية من أجل هذا ابن...". وهنا أشير لنقطة هامة، وهي أن رجال الأمن لدولة الاحتلال يظنون عبثا أنهم أقوياء و تنتابهم حالة من اللذة عند اعتقالهم للوطنيين الصحراويين، فيكيلون لهم أقبح الكلام الحاط من الكرامة، والضربات و الصفعات والركل و الرفس، متناسين أنهم هم من في حالة ضعف و لسنا نحن، و هذا ما أحسست به في تلك اللحظات، فأنا مكبل اليدين و معصب العينين، ومع ذلك أحسست بقوة لا مثيل لها، تلك القوة المستمدة من الله سبحانه و تعالى ثم من الشعب الصحراوي ومن ثورته وإطاره الشرعي و الوحيد الجبهة الشعبية، فلولا و جدود هذا الشعب وجيشه و جبهته لما كانت لنا قيمة ولا معنى للوجود، فرغم أني بين أنياب الذئب، إلا أن انتمائي لذاك الشعب و بوجود حركته التحررية القوية والنافذة، كل ذلك أوجد لنا حصانة و هيبة لا تستطيع معها دولة الاحتلال مهما فعلت أن تفعل ما تشاء لمن تشاء. حينها حمدت الله على انتمائي لهذا الشعب وعلى ممثله وعلى قناعاتي السياسية وعلى ماضِ كرسته لخدمة هذا الشعب وهذا الوطن المحتل. و رغم  الأصفاد والأحقاد إلا أنني أحسست أنني هزمتهم على طول تلك الرحلة، ليس باللكم ولا الضرب و لا السب. بل فقط بالصمت و الابتسامة التي أرسمها على محياي، حين يوجهون لي الإهانة لأني أعرف أنهم ينظرون إلى وجهي، رغم أنني لا أراهم بسبب العصابة و أحمد الله أنني لا أراهم، فليس في وجودهم ما يستأهل النظر، وجوه قبيحة لحثالة البشر، و أجساد ضخمة تختزل بين ثناياها أرواحا صغيرة وتائهة.

استمرت السيارة في المسير، واستمر الاستهزاء والاحتقار، و استمريت بدوري في الصمت و الابتسام، كان ذلك يغيظهم و يصيبهم بحالة من الهيجان. فكان أحدهم يقول لي: أحب يا ابن...؟  أم أنك خائف..؟ فتعلوا وجهي ابتسامة أكبر تختزل استهزاءا أكبر و احتقارا أكثر.

وصلنا إلى مدينة أخرى عرفت أنها مدينة الدار البيضاء، و ذلك لأن الضجيج لم يتوقف، و ظلت السيارة رهينة للتوقف أمام إشارات المرور، و تغيير وجهتها نظرا للازدحام و كثرة الشوارع، المدة التي قضيناها تدل على كبر المدينة و ليست هناك مدينة أكبر حجما و كثافة من الدار البيضاء. و الآن بقي احتمال أن يقتادوني لمقر ولاية الدار البيضاء حيث ما يسمى الفرقة الوطنية، أو استكمال المسير نحو مدينة الرباط أو المعتقل السري بمدينة تمارة.

لم تتوقف السيارة بل واصلت شق طريقها، حينهما و بعد إحساسي بالبرد أدركت أن الليل قد أسدل ظلامه، أديت صلاة المغرب كما العصر، وظل السب و القذف و الاستهزاء حال لسان الأوغاد. بعد ساعات من المسير، دلف السيارة  إلى ما يشبه المرآب. توقفت السيارة و فتحوا الباب أزال الأصفاد من الكرسي و كبلوا بهم يدي من الخلف، أمسكوني من ذراعي و اقتادوني إلى داخل إحدى البنايات صعدوا بي الدرج حتى الطابق الثاني على ما أظن، اقتادوني بعدها في ما يشبه الرواق الطويل. ومن ثم أدخلوني إلى إحدى الغرف حيث أجلسوني على أحد الكراسي، حينها أزالوا العصابة عن عيني، لم استطع في البداية أن أتمكن من النظر، كانت أنوار الغرفة بمثابة الصدمة لعيني اللتان كانتا إلى وقت قريب مدفونتان في قماش مربوط بإحكام، وظلمة أشبه بليل طويل.

بعد لحظات من المحاولة، بدا المكان يتبدد أمام ناظري، و أخيرا بدت الصورة واضحة أمامي، أنا في مكتب، جالس على كرسي، مكبل اليدين إلى الخلف، و أمامي مكتبين خشبيين و يحيط بي 7 محققين كل واحد منهم أخذ مكانه و مذكرته و قلمه. قال لي أحدهم: على سلامتك، لم أجيب، بدأت في تفحصهم و تفحص المكان استرقت نظرة من النافذة فشاهدت عمارات متراصة عرفت من خلالها أنني في مدينة الرباط. و بدأ التحقيق..!

بدأ التحقيق المكثف، هذا يسأل و ذاك يسأل أسئلة تافهة و أخرى مركزة. الاسم، الجنسية، الدراسة، العائلة، العمل.. ذلك ديدن الأسئلة الأولية.

اسمي ثلاثي. صحراوي. الدراسات العليا... ذلط كان حال أجوبتي الثابتة.

تفاريتي.. الأمانة العامة الوطنية.. علاقتي بجبهة البوليساريو... أسئلة ظلت تتكرر فقلت أنا لم أحضر المؤتمر الثاني عشر بتفاريتي المحررة جسديا إلا أنني و كافة الشعب الصحراوي حضرنا روحيا و معنويا و كل ما أفرزه المؤتمر من مقررات و توجيهات و تعليمات سنترجمها على أرض الواقع.

س: كيف تصلكم هذه التعليمات؟، ج: عن طريق الإعلام الصحراوي ( الإذاعة الوطنية، مواقع الانترنت وخاصة موقع المؤتمر).

الأمانة الوطنية هي القيادة التي انتخبت ديمقراطيا من طرف المؤتمرين، و هي التي ستقود العمل الوطني وفق برنامج محدد للمرحلة المقبلة.

علاقتي بالجبهة هي علاقة مُمَثِل و مُمثَل. فهي الإطار الشرعي و الوحيد و الممثل لكافة الشعب الصحراوي وأنا فرد من هذا الشعب.

ليست هناك علاقة تنظيمية بالجبهة، لكن هناك علاقة معنوية و هناك ولاء مطلق، و لا نحتاج كشعب صحراوي بالمناطق المحتلة إلى قنوات رسمية بيننا و بين إطارنا. فالكل مجمع على الأهداف و هي الاستقلال و على الوسائل و هي الانتفاضة و على وحدة التمثيل و هي الجبهة، وتبقى بعض الأمور من قبيل تفاصيل العمل الوطني و القنوات الإعلامية كفيلة بإيصالها لنا و نحن أوفياء للجبهة و لكل ما تقرره و تفرزه.

سؤال: علاقتك بالطلبة الصحراويين؟

جواب: أنا طالب صحراوي و علاقتي بالطلبة علاقة اجتماعية و عرقية و سياسية، فنحن مكون من مكونات الشعب الصحراوي إلى جانب مكونات أخرى. يجمعنا الانتماء ووحدة المصير ووحدة القناعات السياسية والنضال السلمي من داخل الساحة الجامعية، لفرض خيارات شعبنا وعلى رأسها الحق في تقرير المصير والاستقلال.

سؤال: أنت زعيم الطلبة الصحراويين؟.

جواب: ليس هناك زعيم للطلبة الصحراويين ففي القيادة الوطنية للجبهة تكمن الزعامة و الطليعة و الريادة، وكافة الطلبة الصحراويين هم نخبة الشعب الصحراوي المثقفة و طليعة كفاحه السلمي بالمواقع الجامعية، و هم سواسية في الفكر و في النضال و في القناعات السياسية، و نحن كطلبة و كشعب ليست الزعامة بالشيء المهم عندنا بل المهم هو النضال من أجل حقنا في تقرير المصير و الاستقلال.

- تدخل أحد المحققين و الشر يتطاير من وجهه القبيح، أنتم مشاغبين و دعاة عنف و أهل مشاكل يا أولاد...، وأتن على رأس المشاغبين يا ابن...،

- قلت : نحن نشطاء انتفاضة سلمية... لم أكمل كلامي، حيث باغتني أحدهم من الخلف بصفعة مدوية، تبعها وابل من السب، من تظن نفسك أنت في كوميسارية حيث ستربى من جديد يا ابن...، أجبت على الفور. أضربوا كما شئتم، عذبوا مثلما أردتم. فأنا الآن بين أيديكم، سترى الويل في هذه الليلة، ولن ترى الشمس بعدها صاح أحدهم. رد الآخر. هذا من النوع الذي لا يصلح معه الكلام، يجب أن يزور " الحديقة" ليعرف من نحن.

سؤال: من الطلبة الآخرين الذين ينشطون معك؟.

جواب: كل الطلبة الصحراويين هم فاعلين و نشطاء و فاعلين.

سؤال: أعطنا أسماء محددة؟.

جواب: كل الطلبة الصحراويين.

سؤال: نريد أسماء مدققة؟.

جواب: سعيد البيلال.

سؤال: ثم؟

جواب: سعيد البيلال.

سؤال: ثم سعيد البيلال؟.

جواب: و كافة الطلبة الصحراويين.

سارع الواقف خلفي إلى صفعي من جديد من الخلف. تلقيت ضربة أخرى من آخر. ركل و رفس من كل جانب. السب و الشتم لم يتوقف. يا ابن... من تظن نفسك. ضربة قوية في اتجاه أذني اليسرى. لم أعد أسمع بعدها. سقطت من الكرسي بفعل وابل الضرب و الصفع. تماسكت ونهضت بسرعة غير متوقعة. وقفت قبالة ذلك العميد الذي وجه لي تلك اللكمة القوية، فقلت و أنا أصرخ: اضرب أيها الحشرة، لم يتمهل وجه لي صفعة أخرى على الفور، عدلت من وجهي نحو، اضرب و عبر عن ضعفك أيها الحشرة. أنا مكبل اليدين و بين أيديكم، فاضربوا و عذبوا وعبروا عن حقدكم و ضعفكم وعاشت البوليساريو وعاش الشعب الصحراوي....

أخذني الوغد من تلابيبي بقوة و أسندني على الحائط، وقال أيها... ستتكلم و إلا سنخلع لباسك ونمددك أرضا ونفعل كذا...، قلت له أنتم أيها الأوغاد بلا ضمير ولا أخلاق و أنا مكبل اليدين وبين أنيابكم لكن و الله ثم والله و لو قسمتموني على نصفين فلن أقول إلا ما أريد و ما يحلو لي.

بصق في وجهي الوغد، و تفوه بكلام قبيح يعني به الشعب الصحراوي لعنه الله من وغد، هذا العميد علمت فيما بعد أنه نفسه من عذب رفاقي التسعة و كان يقسم لهم أنه لو قبض علي فسيرني نجوم الليل في كبد النهار.

تدخل آخر في إطار مسرحية مفبركة و في تبادل واضح للأدوار و ترجاه أن يتركني و إن لم أتجاوب له أن يفعل ما يشاء. ترك الوغد تلابيبي. أزالوا الكرسي من أمامي و تركوني واقفا. سألوني مجددا من يدعم الطلبة الصحراويين؟، قلت الاكتفاء الذاتي و التضامن والتكافل فيما بيننا، من المكلف بجمع التبرعات بينكم؟. قلت: كلنا مكلفين. من يحرر البيانات؟: كلنا نحررها. من يدعي للاجتماعات؟، كلنا نفعل. من هو المكلف بالإعلام؟: كلنا مكلفون. و المنظمات؟: كلنا لنا علاقات بها. الضرب، الصفع. السب و الشتم و الدفع نحو الحائط. كل ذلك لم يتوقف.خاصة عندما تزعجهم أجوبتي.

سألوني عن كل مراحل حياتي منذ الولادة. وعن كافة المحطات الدراسية بل حتى عن نتائج الامتحانات. أجاب أحدهم. أنت أيها... متفوق في دراستك و تحضر لأطروحة الدكتوراه. فلماذا تتمسك بهذا الطريق. ابتعد عن السياسة و لك ما تريد. أجبته، لا محيد عن النضال الفكري والفعلي و السلمي، و لا مساومة ولا مقايضة بضالات الشعب الصحراوي و بحقوقه و بثوابته. صراخ من هنا. استهزاء من آخر أتظن أنك بطل أنت مجرد... و غبي و لا تعرف مصلحتك الشخصية.

أجبت المصلحة جماعية لشعب بأكمله قدم شهدائه الأرواح من أجل القضية، أية قضية. أنتم لستم سوى أداة بيد الجزائر لا سلطة لكم و لا قرار. أجبت، الجزائر الشقيقة هي من استقبلنا عندما عزيتمونا. وهي من احتضنتنا عندما قنبلتمونا. و وفرت لنا الأرض والمأوى عندما شردتمونا...

أتظنك في ندوة جامعية أيها... أصمت و أجب عن كل ما تسأل عنه فقط عاش الشعب الصحراوي، كانت عبارة، أكررها في كل لحظة وعقب كل ضربة وكلمات نابية، كانت عبارة قاتلة بالنسبة لهم...

- سألوني عن العائلة و ركزوا على أفراد عائلتي المتواجدين بمخيمات العزة و الكرامة. وخاصة أعمامي الشهداء، الذين أصروا على تسميتهم بالأموات و أصريت بدوري على نعتهم بالشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون. كانوا يستهزئون لعنهم الله من الشهداء الصحراويين و من اللاجئين ومن كافة الشعب الصحراوي.

ظل الحال كما هو. كانت الغرفة ضيقة. و ظلوا يتبادلون المقاعد فوجا بعد فوج. كانوا بالري المدني و ينتمون إلى أجهزة أمنية مختلفة يسألون نفس الأسئلة و يتعاملون بنفس التعامل القاسي ظل أوغاد ذو بنيات جسدية ضخمة حولي. ليس لهم من الأدوار سوى الضرب و الشتم و الرفس و البصق و التهديد بالاغتصاب. كان الوضع بتلك الغرفة صعبا للغاية، أوغاد في راحة تامة ويأخذون قسط من الراحة عندما يتبادلون الأدوار. بينما كنت مجهدا و متعبا و مرهقا و جائعا وفي حاجة ماسة للنوم. ولم يدعوني أخذ أنفاسي من شدة التحقيق والترهيب و التعذيب الجسدي والنفسي حيث عملوا منذ البداية على خلق أجواء من الرعب و الرهبة داخل الغرفة. إنها الحرب النفسية بكل معانيها. حيث تسود كل معاني الإهانة و الحط من الكرامة خاصة عندما يتوجهون بالسب إلى الوالدين و العائلة و إلى الشريفات العفيفات الصحراويات. و التشكيك في الجبهة الشعبية وفي قيادتها الوطنية و نعتهم بأوصاف كانت تحرقني من الداخل و تزلزل كياني خاصة عندما يسبون الشهداء لعنهم الله من أوغاد. كنت بدوري أوجه ما تيسر من سب لنظام الاحتلال لكنني من بيئة لا تعرف الكلام السيئ و القبيح و الحمد لله. و في عدم التكافؤ تكمن قوتي في تلك الليلة.

عادوا من جديد إلى تفاريتي وعن حضوري بالمؤتمر. وعدت إلى نفس الأجوبة و عرفت حينها أن هذا المؤتمر أغاظهم كثيرا. كانوا يتحدثون عنه بلغة تنم عن الهزيمة. كانوا يقللون من نجاحه ومن أهميته. و يتفاخرون بأنهم قادرون على استعادة منطقة تفاريتي أو " المنطقة العازلة" حسب زعمهم. أدركت بما لا يترك مجال للشك أن تفاريتي نجحت في كل شيء، و أنهم لم يبتلعوا صدمة نجاح المؤتمر و أشغاله و الديمقراطية التي سادت كل فعالياته و أيامه و أشغاله. إنهم ضعفاء رغم إدعائهم القوة، و ارتجاليون رغم زعمهم الإستراتيجية، و أوغاد رغم محاولتهم الظهور بمظهر الشجاع.

انتهى التحقيق على الساعة الرابعة صباحا تقريبا، خائني أحدهم بالمحضر المطبوخ في أحد المكاتب المجاورة، أو كان محفوظا هناك، محضر يبدو أنه طبخ على نار هادئة بفرن الشرطة القضائية القذر، قال ذلك الشرطي وقع هنا و أشار إلى مكان التوقيع. ابتسمت و قلت له و تظن أنني بهذه البساطة سأوقع عليه، أجاب: ولماذا؟ إنه في صالحك، و كتب فيه ما قلته بالحرف، فأجبته: دعني أتلوه و حينها أقرر هل سأوقع أم لا. فقال: ألا تثق فينا قلت له: نعم لا أثق فيكم ولا في دولتكم بأكملها.

 

أجاب بحزم: هل ستوقع؟ قلت: لا صاح على ذلك العميد بالقدوم. فجأة دلف المجرم قائلا: هل رفض التوقيع؟ فقال له: نعم. قفز نحوي اللعين و أخذني كالعادة من تلابيب معطفي قائلا: هل ستوقع أيها... أم أخلع ملابسك وأفعل... أجبت: قطعوني على نصفين و لن أوقع. بدأ مسلسل الصفع و الضرب من جديد. سقطت أرضا. فهممت بالوقوف و أنا أصيح: والله و لو قطعتموني فلن أوقع. رفسة من آخر كانت كفيلة بارتطامي بالحائط البارد. ولج إلى الغرفة عدد آخر كان ينتظر في الرواق. بدأ الصراخ و الوعيد و التهديد أحاطوا بي من جديد. العميد و آخرون يتوعدوني بكل شيء. البعض الآخر يترجاهم إعطائي الفرصة، و أنا بدوري أصيح لن أوقع مهما كان الثمن. و بقيت على إصراري رغم الإهانة و التعذيب. بعدها اقتادوني إلى الطابق السفلي المسمى الحراسة النظرية. وعند بابها قال لي مرافقي: لك مني سلام على صمودك، و تأكد أن أهلك بالخارج أقاموا الدنيا و لم يقعدوها. و لولا ذلك لكنت ذهبت إلى " الحديقة" التي لن تقاوم فيها كما الآن. سألته و ما " الحديقة" فأجاب: تمارة. و يقصد المعتقل السري بمدينة تمارة الذي تديره المخابرات المغربية. كان إخباره لي بتحركات الجماهير الصحراويات، أول خبر أتلقاه منذ أربعة  أيام من العزلة عن العالم.

تسلمين الحراس بهذا الطابق القذر و الذي يعج بالرطوبة و بالروائح النتنة.

سألني الحارس هل أنت فلان. فأجبت نعم. فقال لي لقد مر رفاقك من هنا قلت له أعلم. اقتادني إلى زنزانة وقال في هذه الزنزانة كان رفاقك. أدخلني إليها و أغلق الباب من ورائي بقيت للحظات واقف وسط الزنزانة، كان بها ثلاثة سجناء خالدين إلى نوم عميق. أخذت زاوية وجلست، بعد أن افترشت معطفي. تذكرت تلك الزنزانة بولاية أمن أكادير. رغم اختلاف المكان والزمان وتركيبة الزنزانتين، إلا أن الظروف هي نفسها و الأوضاع متشابهة. رطوبة وخرير مياه الصنبور و مرحاض في الزاوية تخرج من فوهته روائح لا تقاوم تزكم الأنف وتضفي على المكان أجواء المستنقعات النتنة، غطاء بالي أقرب إلى الأسمال افترشه السجناء الراقدون، بعد أن استوعبت المكان بشروطه التي لا تبعث على الارتياح. أخذت معطفي وأديت صلاة العشاء بعد أن منعني الأوغاد من أدائها أثناء التحقيق الطويل.

بعد ذلك عدت إلى تلك الزاوية و افترشت مجددا معطفي و استندت إلى الحائط وبفعل الإعياء والتعب والجوع ورغم روائح القذارة والبرد القارص، خلدت بدوري إلى النوم بفعل الإرهاق رغم غياب شروط النوم المريح.

استيقظت في الصباح الباكر، كان راسي يؤلمني وكنت أظنه سيسقط لا محالة كان ثقيلا كان الصداع قاتل ومؤلم، تمكنت من الوقوف أخيرا، كان جنبي يؤلمني من شدة الاتكاء عليه وبسبب الوضعية غير السليمة التي نمت عليها. أجريت بعض الحركات الرياضية الخفيفة من اجل أن تتمدد عضلاتي التي تجمدت بفعل البرد ووضعية النوم. التفت يمينا وشمالا، لأحدد معالم المكان. وجدت نفسي بزنزانة ملتحفة بالقضبان، بمحاذاتها زنزانة شبيهة بها وفي مقابلها زنزانة أخرى، تعج بسجناء الحق العام، كان معي في الزنزانة ثلاثة سجناء كانوا قد استيقظوا قبلي ,سلموا علي وسألوني عن سبب اعتقالي. فأخبرتهم إنني معتقل سياسي ,أصابهم الفزع من تلك الصفة ,بعدها لم يجرؤوا على الاقتراب, مدني احدهم بقنينة ماء، أخذت قسطا منها وتوضأت به، أديت صلاتي كالعادة على معطفي العزيز.ومصدر عزته ,كونه لازمني في العديد من المحطات النضالية,ودلف معي لمخافر الشرطة ورد عني الكثير من قوة الضربات وكان لي واقيا من البرد وفراشي المريح وسجادتي الطاهرة وها هو الآن يرافقني في رحلة الزنازن.

تم اقتيادي على الساعة العاشرة من يوم السبت 29دجنبر 2007.من طرف أفراد من الشرطة. نحو بوابة ولاية الأمن حيث وجدت إحدى السيارات في انتظاري بعد أن قيدوني بالأصفاد. حيث أصعدوني لتلك السيارة، مدني احدهم بكيس بلاستيكي اسود ,واخبروني انه يحتوي على بعض الأكل استقدمته عائلتي عندما وصلت إلى مسامعي كلمة العائلة، تسرب إلى فؤادي إحساس بالشوق لعائلتي التي تركتها أمام ذلك المخفر اللعين بالسمارة المحتلة. و منذ الأربعاء الماضي وأنا في عزلة عن العالم.

انطلقت بنا السيارة وسط حراسة مشددة، رأيت من النافذة الخلفية ذلك العميد الذي اشرف على تعذيبي واقف يتفحصني من بعيد لم أتمالك نفسي حينها فرفعت أناملي رغم الأصفاد ورسمت شارة النصر وأطلقت العنان لابتسامة سادت وجهي المجهد، ظل متسمرا في مكانه يدقق النظر في حالة من الزهو والعربدة. وظلت أناملي وفية لرسمها كنت متأكدا أن ذلك يقتل في داخله غروره وعجرفته، وأردت بأناملي وابتسامتي أن ابعث له برسالة مفادها، ضربتني، عذبتني وانتشيت لذة الاستهزاء وأزبدت وعربدت سبا وقذفا. وها أنا ذا اخرج من مخفرك القذر كما جئت شامخا مرفوع الرأس، ولم تجد مبتغاك، أردتني ذليلا، خانعا، خادعا، ومرتجفا فوجدتني كما رفاقي من قبل، صامدا وفيا لمبادئ خالدة وثوابت راسخة وقناعات متصلبة لشعب اكبر منك أنفة وأكثر منك أصالة وتاريخا ووجودا.قال لي احد المرافقين بتلك السيارة ,هل تريد أن تأكل .فأجبت: ليس الآن

كنت أتضور جوعا، كانت أمعائي الفارغة في أمس الحاجة إلى بعض الفتات ارمق به جوعي، لكني رفضت أن اختزل ذاتي في تلك اللحظة في لذة مهما كانت حاجتي لها، أمام ما ينتظرني بعد حين..    

طيلت طول الرحلة الرابطة بين ولاية الأمن بالرباط بحي حسان ومقر المحكمة الابتدائية الكائن بحي المحيط. أتمعن الشوارع التي لا طالما مررت بها ومساكن وعمارات لطالما شاهدتها لكنها جميعا لا تغريني ولا ستهويني فحبة من رمال الساقية الحمراء وواد الذهب عندي بالدنيا وما فيها، ومنظرا واحدا لشجيرات وطني وماءه وأغنامه بجفافه وقحطه لأفضل من غابات الدنيا وخرائط العالم الفسيح. فتلك أرضنا سكنت قلوبنا وذلك وطننا الذي تربع على الوجدان.

كانت السيارة تتوسط سيارتين وأمام الاولى دراجات نارية من الحجم الكبير تابعة للشرطة, كان الموكب يواصل مسيرته دون توقف حتى عند إشارات المرور وكانت الهواتف لا تتوقف عن الرنين وتبادل التعليمات ...كانوا في حالة من الهستيرية التي تبعث على الضحك ... وكنت في حالة من الهدوء والسكينة وانتشاء لذة الانتماء للشعب الصحراوي الذي أدخلهم في هذه الحالة الغريبة.

و وصل الموكب إلى مقر المحكمة وتلك رحلة أخرى من المرافعة والمقارعة....

 

  الجزء الثاني:  بين المحاكم و الزنازين: رحلة المرافعة والمقارعة.

 بعد" أربعة أيام من العزلة":

     دلفت السيارة إلى المحكمة الابتدائية قضاء الدرجة الأولى الكائن مقرها بحي "ديور الجامع" بالرباط العاصمة المغربية، اجتازت البوابة ببطء، حاولت جاهدا أن ألقي نظرة عبر النافذة الخلفية المسجية، لم أرى أحد من الوجوه المألوفة، تلك الوجوه السمراء التي اشتقت لها كثيرا، رفاقي وأبناء جلدتي، إنها العزلة التي لازالت ترخي ستائرها السميكة منذ أربعة أيام، واتقنوا حياكتها التي تحول دون ولوج أي خبرأو معلومة، إنها المصادرة لكل وسائل التواصل، لا  لقاءات ولا جرائد ولا هواتف ولا أجهزة الراديو، كانت تلك الأيام بمثابة توقف اضطراري للزمن، لأنهم صادروا البوصلة، وتناسل عن تلك الوضعية غياب الإدراك للزمان والمكان على حد سواء، وأضحى الحدس الحاسة المطلوبة، وهي العملة الرائجة في  سوق مصادرة الحواس، في تحديد اللحظة والرقعة، في رسم  ملامح الوجوه المتسترة خلف تلك العصابة التي ظنوا جهالة أنهم بتعصيبهاعيناي حجبوا عني الرؤية، لكنهم تناسوا أنهم هم من يختبأ وراءها وبذاك قدموا لي خدمة جميلة ومجانية حيث لا يدرون، لقد حجبوا عني وجوههم القبيحة وحجبوا عني مناظر ومشاهد لا تغري أي كان بملاحقتها. وعبروا من خلال ذلك عن مدى خوفهم وهلعهم من المواجهة المباشرة، من العين نحو العين، حيث تختزن العين في تلك اللحظة قوة الإرادة المشعة من ثنايا القزحية، وصلابة العزيمة الممتطية صهوة النظرة الثاقبة واللمحة الصادقة.

استدارت السيارة نصف دورة، انطلقت بشكل معاكس نحو الخلف، اقترب بابها الخلفي من أحد أبواب المحكمة، حينها فتحوا الباب بعد أن اصطف عدد غير قليل من رجال السلطة من كل المداخل، حينها أنزلوني مكبل اليدين، وقبل أن أخطو نحو باب المحكمة وبشكل مفاجأ، رفعت عقيرتي بصيحة مدوية وبمفردات واضحة"عااااااش الشعب الصحراوي""عااااااش البوليساريو"عااااااشت الصحراء الغربية حرة مستقلة". التفت الجميع نحوي بدهشة وانبهار تسللت إلى وجداني راحة ونشوة عصية على الوصف، كان احساسي بإطلاق تلك المفردات بمثابة لذة إطلاق عيارات نارية نحو أهداف محددة، كان لتلك الكلمات نفس الوقع الذي تحدثه الرصاصة،  نفس الهلع، نفس الدوي، ونفس الوضعية، مناضل صحراوي في مواجهة الغزاة، مكبل اليدين ومحاصر من كل مكان وعلى دارية تامة بقوة الانتفاضة السلمية وبكافة وسائلها وفي هذه اللحظة بالذات تغيب عديد الوسائل، لكن روح الانتفاضة هي البوصلة، وبقليل من الوسائل المتاحة تستمر المعركة، "واللي خبط بلي فيدو ماهو ذليل"، فما دام الصمود حاضرا والعزيمة والحنجرة والأنام موجودة، فشارة النصر والشعارات الوطنية كفيلة بهزمهم وذلك ما وقع بالفعل، وهنا أتحدث عن الهزيمة من منطلق بسيط:

فماداموا لم يستطيعوا أن ينتزعوا زهرة واحدة من مشتل قناعتي فقد هزموا، وما داموا عجزوا عن تركيعي وإخضاعي لمشيئتهم فقد هزموا، ومادام الفزع حالهم والتخبط لسان حالهم فقد هزموا، ومادمت بالمقابل صامدا وشامخا ومرتاحا فقد هزموا، وما داموا ببساطة  لم يحققوا ما أرادوا فقد هزموا شر هزيمة.

في تلك اللحظة لم أشأ أن أكثر من الشعارات على كثرتها، واكتفيت على ثلاثية تحقق الغاية، تحية إلى شعب أنجبني، ورباني، و تحية إلى ممثل الشرعي لهذا الشعب و تحية إلى المشروع الوطني و للقضية و الهدف المتمثل في الحرية و الكرامة.

اقتادوني عبر مدرج موصل إلى الطابق الأرضي للمحكمة كان مكتظ بالمكاتب و الغرف التي غادرها أصحابها لإلقاء نظرة على صاحب الشعارات التي دوت في أرجاء المحكمة، نسوة يتهامسن بأصوات خافتة ورجال يتفحصون هذا القادم المحاصر برجال الشرطة الذين اقتادوني في حالة من الصمت المطبق، وصلنا إلى السلالم حيث صعدنا أدراجه نحو طابق علوي آخر، دلفنا عبر رواق طويل يتكون من مكاتب متراصة، تخطينا المكتب الأول كتبت على يافطته "مكتب الوكيل العام للملك" المكتب المجاور بيافطته كتب عليها "مكتب الاستنطاق 1 " وآخر "مكتب الاستنطاق2" و"مكتب الاستنطاق3"، أدخلوني لهذا الأخير، الساعة تشير إلى الساعة 10:30 صباحا، أجلسوني على أحد المقاعد، ومدوني بالمواد الغذائية التي جلبتها عائلتي، تفحصتها جيدا، علب للحليب و خبز وجبن وحلوى،  تملكتني رغبة جامحة في التهامها، خاصة و أنني منذ أربعة أيام لم أعرف فيها طعم لأي طعام، لكن رغبتي بدأت في التلاشي تدريجيا، أخذت علبة السجائر و تركت الباقي، أشعلت سيجارتي الأولى، نفثت دخانها بشيء من التروي، و بين ثنايا  الدخان الكثيف بدأت الوساوس في التسلل من جديد، عائلتي، والدي المريض بالقلب، والدتي التي تعاني من مرض السكري المزمن، أخواتي، رفقائي وأصدقائي، كيف هم الآن؟  الطلبة الصحراويين هل قدموا للمحكمة؟ هل هم على علم بتقديمي إلى هذه المحكمة؟ هل يعلم الجميع برحلتي المجهولة؟ كل تلك الأسئلة وغيرها تنخر ذهني في تلك اللحظة، فجأة وصل إلى مسامعي سؤال لشرطي كان بجانبي، كان سؤاله كفيل بإعادتي من رحلة الغوص في التفكير والأسئلة والوساوس، التفت نحوه و سألته عن سؤاله، أعاد سؤاله من جديد، هل أنت صحراوي ؟ أجبته بالإيجاب، فقال أنه كان يدرس بجامعة مراكش وله زملاء صحراويين، كان حواره معي إيذانا بالتحاق  رفاقه الثلاثة بالحوار، أخذنا الحوار عبر مجالات كثيرة، الجامعة، الصحراء الغربية، تقرير المصير.. كان أحدهم ضابط والثلاثة الآخرين جدد على هذا الميدان، أبانوا عن تعاطفهم معي و أكدوا أنهم يقومون بمهامهم فقط وهم مجرد عبيد مأمورون، دعيتهم إلى تناول بعض الأكل أجاب أحدهم، نحن ممنوعون من الحديث معك، فما بالك بمشاركتك الغذاء، لكنه طلب سيجارة وكذلك فعل الآخرون  بقيت على تلك الحالة إلى حدود الساعة الثانية عشرة، حينها اقتادوني إلى مكتب وكيل الملك، فكوا عني الأصفاد قبل أن أدلف المكتب، كانت غرفة تحتوي على مكتبين أحدهما للوكيل والآخر لنائبه، بينما يتسمر كاتب الضبط قرب الوكيل، ولجت للغرفة ووجدت أمامي كرسيا لم أمنع نفسي من الجلوس عليه بفعل التعب والإعياء  سألني الوكيل في البدء :من سمح لك بالجلوس على الكرسي ؟ رديت على الفور: وهل هناك مانع ؟ فقال: كل الذين يلجون هذا المكتب يبقوا واقفين حتى الانصراف قلت: لست كالذين يدخلون هذا المكتب، أنا معتقل رأي و لست حشيشا أو مجرما. هذا من جهة،  ومن جهة أخرى أظن أنني بهذا المكتب من أجل مناقشة الجوهر والمضمون و ليس شكل جلوسي أووقوفي.  قال ما اسمك أجبت بالاسم الثلاثي مكان الولادة ؟ العيون المحتلة تاريخ الولادة 1978. مقر السكن؟ السمارة المحتلة. أخذ بين يديه ملف الضابطة القضائية المطبوخ، وبدء في مناقشة التهم المنسوبة لي والملفقة تلفيقا، رديت على أنني اعتقلت على خلفية دفاعي عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية وعملي على أرض الميدان لفضح الانتهاكات المغربية المستمرة عن طريق الرصد و المعاينة و التقرير، وكوني عضو لجنة الدفاع عن حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية.

و نظرا لفاعليتي داخا الساحة الجامعية و مناهضة للاحتلال المغربي بشتى الوسائل السلمية، عن طريق المسيرات والوقفات و المظاهرات   المطالبة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال ...

قاطعني بالقول: أنا أسألك عن ذلك المنسوب لك في هذا المحضر وليس شيء آخر... قاطعته بدوري بنبرة عالية: أنا معتقل على خلفية الاعتصام الذي نظمناه كطلبة صحراويين بالرباط أمام مدخل الحي الجامعي السويسي الأول بتاريخ 9 مايو 2007،  دام لمدة ثمانية أيام للتضامن مع رفاقنا و إخواننا ضحايا آلة القمع المغربية بأكادير و مراكش ... قاطعني مرة أخرى: هل كنتم تحوزون قنينات البنزين؟ أجبت: اعتصامنا كان سلميا كعادة أشكالنا النضالية، ولم نكن نتحوز إلا على حناجرنا التي صدحت بالشعارات السياسية المطالبة بالاستقلال، ولافتاتنا باللغات الانجليزية والفرنسية والاسبانية و العربية ... قاطعني مجددا: ماذا كتب في تلك اللافتات، فأجبته : كتب في الأولى: لابديل لابديل عن تقرير المصير،  والثانية: الاستقلال الاستقلال هو الغاية و رأس المال وفي الثالثة: الطلبة الصحراويون بالرباط يخوضون اعتصاما مفتوحا  تضامنا مع رفاقهم ضحايا آلة القمع المغربية بمختلف المواقع الجامعية، وفي الرابعة: الطلبة الصحراويون بالرباط يخلدون الذكرى الرابعة والثلاثين لإعلان الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. كان منهمكا رفقة كاتبه في تحرير مضمون اللافتات.

سألني مجددا: هل رشقتم رجال الشرطة بالحجارة؟  قلت: لم تكن لدينا حجارة والشيء الذي رشقنا به رجال الشرطة هو الشعارات السياسية، فإن كانت هذه الشعارات قد أصابت أحدهم. فهذا شيء وارد. لم يستصغ ردي الذي بدا له محشوا بالكثير من الاستهزاء وهو ليس كذلك، فشعاراتنا تصيبهم جميعا بمقتل بما فيهم هذا المتعجرف الذي يحقق معي الآن.

بادر نائبه بسؤاله الأول: كيف حدثت المواجهات بينكم والشرطة؟ وهل استعمل رجال الأمن مكبر الصوت لإنذاركم. أجبت: بتاريخ 17 من نفس الشهر وبينما نحن نيام في مبيتنا الليلي في الاعتصام،  فوجئنا بتدخل سافر وغادر وبدون سابق إنذار من طرف أفراد الشرطة  الذين تجاوز عددهم الستين على الساعة الرابعة و الربع صباحا، حيث انهالوا على الجميع ضربا ورفسا وركلا وسبا وقذفا. واعتقلوا تسعة من رفاقنا وتمكن البقية بشق الأنفس من الفرار بجلدهم من هذه الهجمة الشرسة.

هل قاومتوهم؟ سأل مجددا. قلت:  كيف للنيام بالمقاومة التي تقصدها. هم لم يعطوا الفرصة حتى لأخذ الأنفاس من هول الهجمة و الغدر فما بالك بالمقاومة. نحن نقاوم بالصدور العارية وليس بما تقصد.

ماذا وقع بعد ذلك؟ سأل الوكيل مجددا، أجبت: تجمعنا من جديد ونظمنا وقفة سلمية للمطالبة بالإطلاق الفوري لرفاقنا، قبل أن نفاجئ بهجوم آخر، هذه  المرة أكثر عددا وعدة وعتادا حاصروا كافة مداخل ومخارج المنطقة المحيطة بالأحياء الجامعية. شنوا هجوما موسعا و من كافة الاتجاهات، واخترقوا أسوار الحي الجامعي السويسي الأول و أبوابه، وحاصروا العمارات السكنية، حيث رصوا صفوفهم مجددا استعدادا لهجمة أخرى كانت هذه المرة تستهدف غرف الطلبة.

وقبل أن يعطوا صفارة الانطلاقة لساديتهم المرضية وتعطشهم للدماء خاصة إن كانت صحراوية، قاموا بخطوة تنم عن العنصرية والتمييز، حيث استخدموا مكبر للصوت من أجل إفراغ العمارات من الطلبة غير الصحراويين محملين ببطاقة التعريف. وبالفعل نزل الطلبة المغاربة، وبقينا نحن داخل الغرف حينها هاجمونا في غرفنا التي كسروا أبوابها وعاثوا ضربا و تعنيفا للطلبة الصحراويين وعاثوا فسادا في غرفهم حيث عبثوا بالآثاث والممتلكات ونهبوا وسرقوا كل ما على ثمنه و قل حجمه كانوا حينها كالثيران الهائجة وكنا نحن العزل كالقماش الأحمر وكانت غرفنا ساحات لعراك غير متكافئ بين الثيران والقماش.

تدخل نائب الوكيل بنبرة لا تخلوا من الاستهزاء: لم يتدخلوا حتى بدأتم أنتم بالرشق بالحجارة و قنينات البنزين "المولوطوف" أجبت : الحي الجامعي خالي من الحجر، ونحن قليلوا العدد و كانوا جيشا منظما يطوف المكان، فكيف لنا بالبدء بالرشق و كيف لأي عاقل أن يفعل ذلك إن ذلك بمثابة انتحار.

عاد من جديد إلى المقاطعة و قال: أنتم أردتم المواجهة لخدمة تعليمات تأتيكم من الخارج قلت نحن  نضالاتنا سلمية و مادام المغرب مصر على مواجهتها بالتعنيف والقمع. فبالتأكيد فان النتيجة تخدم قضيتنا العادلة، وسواء سمح بحرية التظاهر و التعبير أو منعها و نحن لن نحيد عن النضال .

حينها تدخل الوكيل سائلا : هل أنت متشبث بهذه القناعات ؟

فأجبته نعم و أكثر مما تتصور، وسواء تمت إحالتي للسجن أو أفرج عني فسأنخرط مباشرة في الأشكال النضالية المناهضة للاحتلال من أجل انتزاع حقوق الشعب الصحراوي وعلى رأسها الحق في تقرير المصير والاستقلال.

حينها قدم لي المحضر وطلب مني التوقيع، ووقعت على ذلك لأني عند قراءتي له وجدته متضمنا  لأقوالي عكس محضر الضابطة القضائية المطبوخ.

عدت بعد التوقيع إلى الغرفة التي كنت بها قبلا، أعادوا الأصفاد إلى يدي و جلست أنفث دخان سجائري، و أسبح عبرها في بحر من الذكريات، كنت في تلك اللحظة أنسج خيوط قصتي مع الاعتقال  ومع العزلة التي لازالت تشدني بخيوطها وتجرني بعيدا عن عوالم الواقع، فجأة أعادني ذلك الضابط إلى حظيرة الواقع بإخباري أن ثمة شخص يريد لقائي سألته بشغف من يكون ؟ فأجاب : الأستاذ النقيب المحامي: محمد أقديم. كانت صفة المحامي تبدد أربعة أيام بين أيدي رجال الأمن والقضاء. كانت تلك الصفة تحيل تلقائيا إلى بدء التحلل في جسم العزلة. لأنني أخيرا سألتقي بأحد الأشخاص ذو الصفة المدنية، خاصة إن كان ذلك الشخص هو الأستاذ محمد أقديم، نقيب المحامين سابقا بالرباط، وعضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ذات الصيت الكبير، و التي عرفت بمواقفها الراسخة اتجاه حل قضية الصحراء الغربية ديمقراطيا، والمشهود لها بمؤازرة المناضلين الصحراويين، والتي كان آخرها مساندتها لرفاقي الطلبة الصحراويين لتسعة أثناء محاكمتهم الصورية بتطوع أساتذة محامين من طرفها للمرافعة عن الطلبة  وعلى رأسهم الأستاذ القدير محمد أقديم، هذا الأخير دلف إلى الغرفة بعد أن نزعوا عني الأصفاد، تعانقنا وتبادلنا التحية،  سألني عن الوضع الصحي وأكد لي أنه تولى وزملاءه القضية كما اخبرني بالأجواء خارج مقر المحكمة حيث تجمع الطلبة للمؤازرة. كان لقاءه الجميل والحديث القصير الذي دار بيننا كفيل بإخراجي من بوتقة  "أربعة أيام من العزلة"خاصة وأنه ختم حديثه معي بإخباري بوجود أخت لي تريد لقائي، وبالفعل كان ذلك، ودعني الأستاذ بأمل لقاء ثاني إن شاء الله.  تسمرت داخل الغرفة وعيناي مشدوهتان نحو الباب، كنت حينها أخمن أي أخواتي ستدلف إلى الغرفة، فجأة ولجت أختي الصغرى "أبابة " لم يصل تخميني القصير إلى تخيلها الشخص القادم، خاصة و أنها تدرس بقسم الباكالوريا بالسمارة المحتلة مما يعني التزامها بالحضور اليومي ارتمت بين أحضاني، تعانقنا طويلا، وجلسنا، كانت  تتفحصني وكأنها لم تصدق نفسها بلقائي، سألتها عن أحوال العائلة وخاصة والدي المريضين وبدأت العزلة من جديد في التحلل، نظرا لكم الأخبار والمعلومات التي زودتني بها، كان أصعب خبرهو تعرض المدينة الشامخة السمارة المحتلة لمجزرة جديدة على اثر احتجاج الجماهير الصحراوية أمام مخفر الشرطة على اعتقالي، كانت أختي تسرد على مسامعي الواقعة، و كانت أسماء الضحايا الصحراويين لهذه المجزرة بمدينة ارتبط تاريخها بالعديد من المجازر منذ جريمة الإبادة 1975 حتى الآن. كانت تلك الأسماء التي فاقت الأربعين وقعا جارحا بفؤادي، ثلة من البطلات  الصحراويات العفيفات والأبطال الصحراويين نهش الأوغاد لحمهم و سالت  دمائهم الزكية بأزقة السمارة المحتلة والأبية. كنت في إطار رحلات الغوص التي قمت بها خلال أيام العزلة نحو النبش في تلا فيف الذاكرة وثنايا التخمين أحط الرحال بين هذه المدينة الرائعة و كنت أسائل نفسي هل تعرضت لمكروه ؟ و كنت أعرف أنها تعرضت لذلك، لأني هذه المدينة العذراء العصية على الهتك و أعرف أن فعاليات انتفاضة الاستقلال بهذه المدينة برعوا في صناعة الحدث و إنجاب الملاحم، من وقفات محكمة التنظيم ومظاهرات حاشدة وحملات لتوزيع المناشير ونصب الأعلام الوطنية، أعرف رفاقي ورفيقاتي جيدا، أعرف عائلتي السياسية و خبرتها، فعاليات الانتفاضة التي أبدعت الفصول تلو الفصول وأعطت المثال على النضج وقوة الاستمرارية التي تصنع وتخلق الحدث كل لحظة، قادرة على ردة الفعل، كنت أعرف أن مدينة السمارة التي تعودت على الخروج للتظاهر اثر اعتقال واختطاف لأي صحراوي وطني، لن تسكت على اعتقالي وكنت أعرف أنهم لن يسلموا من القمع، فذاك هو الحال بالمناطق المحتلة إصرار على النضال و قمع وتنكيل من الاحتلال وهاهي المعلومات تصلني بعد أربعة أيام من العزلة، تؤكد تخميناتي.

بلغتني أختي سلام الكثيرين وتضامنهم، أخبرتني بالهبة التضامنية التي شهدتها السمارة المحتلة وباقي المدن المحتلة والموقع الجامعي الرباط الصامد وباقي المواقع الجامعية، كانت ومضات التضامن كفيلة بإزاحة ظلمة العزلة ونسيان التعذيب  ورحلة المعاناة.

كان اللقاء قصيرا لكنه استطاع أن يمدني بالقوة اللازمة وبالزاد في رحلة ما وراء ردهات المحكمة، و دعت أختي بعناق حار وحملتها سلامي لكافة الشعب الصحراوي ولرفاقي الطلبة المحتشدين أمام مقر المحكمة أعادوا الأصفاد إلى يدي من جديد واقتادوني من جديد نحو رواق آخر حيث وجدت أمامي صفا من السجناء مكبلين ثنائيا أخذت مكاني في آخر الصف كان عددنا 12، حيث كبلوني رفقة سجين آخر اقتادونا نحو باب المحكمة، كانوا يحيطونا بنا من كل جهة. كان المنظر أقرب إلى جنود متراصين يؤدون مهمة  صعد الجميع للسيارة التي كان بابها الخلفي يسد باب المحكمة  أخذت مكاني في مؤخرة السيارة  وانطلقت بنا تمخر عباب الريح نحو عالم آخر من المعاناة " عالم السجن المحلي بسلا ".

 

" لباجدة "  أو أبجديات الاهانة

"السجن المحلي " مفردات اليافطة علقت على البوابة الرئيسة، كان ذلك علامة على الوصول إلى نهاية الرحلة و بداية معاناة أخرى بمساحيق أخرى وصلت السيارة أخيرا بعد رحلة قصيرة من مقر المحكمة الابتدائية بالرباط نحو هذا السجن اللعين، هذه الرحلة التي لم تتوقف خلالها السيارة المدعومة بسيارات أخرى و دراجات نارية، بل إننا كنا نجد الطريق مفتوحة دون توقف حتى عند إشارات المرور و كان صوت الإنذار الذي تطلقها السيارات والدراجات يشيد انتباه المارة، علق أحد السجناء بالسيارة : لماذا كل هذا اللغط هل نحن " بلادن "  وأجاب آخر: على الأقل أصبحنا مهمين ولو مؤقتا رد آخر: حصل لنا الشرف رفقة هذا الصحراوي لم أجب على هذه الملاحظات. كنت مشغولا بشيء آخر، كنت مسافرا إلى أبعاد أبعد من هذه الرحلة القصيرة. إلى أولئك الذين نكل بهم في السمارة المحتلة إلى رفاقي و رفيقاتي الذين يعيدون صياغة التاريخ و صياغة الحيطان بألوان العلم الوطني و بمقولات " أخرجوا يا غزاة ".

فتحت الأبواب، ولجت السيارة إلى الداخل، أنزلونا مكبلين، وفتح باب آخر، أدخلونا إلى بهو صغير، نزعوا عنا الأصفاد، واقتادونا إلى بهو آخر، واحكموا إغلاق بابه،  وجدنا سجناء آخرين أمامنا عج بهم البهو كان بهوا صغيرا عرضه مترين و طوله ما يقارب 7 أمتار، كان عددنا 32 سجينا، وكانت الساعة تشير إلى الساعة الثانية زوالا من ذلك اليوم، السبت 29 دجنبر2007 بقينا بذلك البهو الضيق منا اختار لنفسه رقعة اقتطعها من الأرضية المتسخة و جلس عليها دون حائل، في مشهد يحيل على الاعتياد، والغالبية العظمى اختارت أن تذرع البهو مجيئة و ذهابا وكأنه تحول إلى خلية للنحل أو وكرا للنمل، حيث كل واحد اختلط لنفسه طريق منعرجا بسبب الجالسين ظل الحال كما هو عليه لعدة ساعات، شعرت وأنا أذرع بدوري البهو بإعياء تام، كانت عضلاتي تتقلص على نفسها وأضحت عظامي أحمالا ثقيلة تؤرق مضجعي، لكنني واصلت رياضة المشي ليس رغبة بل مكره أخاك لا بطل، كانت أرضية البهو تبعث على الغثيان أعقاب السجائرهنا وهناك القمامة المكان، والروائح الزاكمة للأنوف تفوح في الأجواء، لم تكن رائحة المسجانين بأحسن حال مما يعج به المكان لم تكن رائحتي تخرج عن هذا السياق، وأنا الذي ودعت النظافة منذ الصباح الجميل الذي ودعت فيه صديقي " حمادي الناصري " وزوجته قبل أربعة أيام قضيتها سابحا في مستنقعات المخافر النتنة حيث القذارة والأوساخ و كل ما يحيل على التأفف.

استل أحد السجناء من جواربه لفافة حشيش كانت إيذانا للآخرين للقيام بنفس الأمر، وفي سرعة البرق تعالت أدخنة احتلت المكان، كانت تلك الرائحة تصيبني بالدوران، حاولت الابتعاد قدرالإمكان، اقتطعت لنفسي زاوية بعيدة، وقفت متسمرا بمكاني مستندا على الحائط، لكن دخانهم سيطر على المكان، كانت تلك الرائحة لازمتني في المراحل القادمة سألني أحدهم:هل تؤثر عليك رائحة الحشيش؟ أجبت بالإيجاب. فرد بنبوة كلها شفقة:لا تحزن ياأخي فستتعود عليها في المستقبل. وبالفعل ذلك ما حدث، حيث تعايشت بعد ذلك مع كل الروائح والظروف بسبب واحد وهو غياب البديل، ومثلما قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه"طبائع الاستبداد""بغياب البديل لافائدة من التبديل"...، ومادمت قد ولجت السجن فبذاك تكون قد وطأت قدمك عالم آخر تسوده كل مظاهر الاذمان والانحراف والجريمة.

كان ذلك البهو الضيق بمثابة اطلالة من النافذة على ذلك العالم كوعاء للغرائب والعجائب. لم أكلم أحدا، ولم تكن لدي الطاقة لأي حديث، كنت هائما في بساط التخمين والتفكير. خائر القوى، منهمك الأعصاب ومشتت الأفكار، كنت واقفا في ذلك الركن أتفحص تلك الوجوه التي تموج أمامي، كان بعضها يحمل أثارا لطعنات السكاكين وشفرات الحلاقة وتلك علامة على هوية البعض، كان السب والشتم والكلام القبيح ديدن الكثيرين، كان التعارف بينهم يقتصر على المدينة أو الحي حيث محل السكن وعن الجرائم محل الاتهام. كان بعضهم يتشدق بزهو بجريمته، والآخر يقسم على براءته. والبعض يذرف دموعه على هذه الورطة، والجميع يتبادل الدعاء بالفرج، الظالم والمظلوم. دلف إلى البهو أحد الموظفين متأبطا دفترا من الحجم الكبير، أخد مكانه بين الجموع وكأنه يستعد لا لقاء خطاب مكتوب، وبدء في النداء على الأسماء حسب المحكمة التي أحالتهم على السجن، وبذاك تم النداء على ثلاثة فئات، القادمين من المحكمة الرباط الذين كنت واحد منهم. والقادمين من محكمة سلا ومحكمة تمارة. بعد انتهاءه من هذا الإجراء غادرنا من حيث عاد، وعاد البهو إلى جلبته وضوضاءه وحشيشه. بقينا على تلك الحالة المزرية حتى الساعة الرابعة، حيث ولج إلى المكان ثلاثة موظفين ودلفوا إلى مكتبين بنفس البهو. وبدأت المناداة علينا واحدا واحدا، كان المكتب الأول مخصصا لاخد البيانات والبصمات، والثاني مخصصا لالتقاط الصور لكل سجين وهو يحمل لوحة كتب عليها بالطبشور رقم الاعتقال، بعد النداء على عدد من السجناء جاء دوري، حيث أخذوا بيناتي وبصماتي، ومنحت لوحة تحمل الرقم:33190 ، وأخذوا لي صورا بهذه اللوحة، أول ما خطر على بالي حين رأيت رقم الاعتقال هو الأرقام التي منحت لرفقائي التسعة الذين تم اعتقالهم بتاريخ 17ماي2007. أذكر أن أرقام اعتقالهم تراوحت بين رقم : 28190  و28198 وبعملية حسابية نصل إلى نتيجة مهولة.حيث الفرق هو عدد5000 بمعنى أنه بتاريخ 19 ماي 2007، تاريخ إحالة رفقائي لهذا السجن وتاريخ إحالتي وهو 29 دجنبر من نفس السنة قد أٌحيل على هذا السجن السيئ الصيت 5000 سجين في ظروف زمني لايتعدى سبعة أشهر وعشرة أيام. أي 220 يوما. وبعملية حسابية أخرى فان هذا السجن يستقبل في المتوسط 23 سجينا يوميا.بمعنى أنه يستقبل ما يعادل 8400 سجينا في السنة الواحدة. هذا الرقم الملازم لهذا السجن لوحده يدل على العدد هذا الهائل للمحالين خاصة إن استحضرنا السجون الأخرى بالمغرب و التي تعادل عدد من المدن بل هناك من المدن الكبيرة التي تتوفر على أكثر من سجن.

انتهى الموظفين من اجرائتهم في حدود الساعة الخامسة مساءا، بعدها تم اقتيادنا جميعا نحو بهو أخر مخصص للتفتيش. كنت حينها على وشك الانهيار من كثرة الإرهاق والتعب. كنت أتوق إلى ا لوصول للمكان الذي سيقتادون إليه من أجل الاستسلام لنوم عميق وأخذ قسط من الراحة التي ودعتها منذ أربعة أيام. دلفنا إلى غرفة ضيقة وبدأت المناداة علينا واحدا تلو الآخر لإجراء التفتيش، جاء دوري، كان المسؤولين عن التفتيش ثلاثة موظفين ذوبنيات قوية وقامات طويلة، وقفت بينهم وبدأ التفتيش كان مدققا، لم يتركوا عضوا إلا وطافوا عليه وحتى الجهاز التناسلي لم يسلم هو الأخر الملابس الداخلية والأخرى تم تفتيشها بالكامل وفي كل زاوية وقطعة، والجوارب وحتى النعال، بعدها اقتادونا نحو بهو آخر في نهايته توجد ساحة من الحجم المتوسط،علمت فيما بعد أنه أحد الأحياء الموجودة بهذا السجن، ويسمى حي"هـ" وهو مخصص للمسنين وبالمحاذاة مع زنازن المسنين توجد زنزانة خاصة بالنزلاء الجدد حيث تجميعهم بها قبل أن يتم توزيعهم على الأحياء الأخرى. هذه الزنزانة تسمى ب"لباجدة". وأصل التسمية يعود للنزلاء الجدد الذين يطؤون لأول مرة في حياتهم السجن.حيث يقال لهم "لباجدة" بمعنى الجدد المغفلين. أي لازالوا في"الأبجديات" الأولى لتجربتهم الفتية. والكلمة مشتقة من الحروف(أ.ب.ج.د).

وبالمقابل يقال للذين لهم رصيد طويل"لحباسة" كدلالة على التجربة.

لم أكن على كل حال "باجدي" بمعنى الثقافة السجنية، لأني كنت أتحوز مسبقا على رصيد لابأس به من الإلمام بواقع السجون، رغم أنه رصيد نظري فقط لكنه كان لي بمثابة البوصلة لهذه الرحلة الجديدة. ومصدر تجربتي النظرية يعود إلى كوني كنت خلال السنوات الماضية أحد المكلفين بمتابعة أوضاع العديد من المعتقلين السياسيين  وعلى رأسهم

قيدوم المعتقلين السياسيين الصحراويين المناضل الكبير"سيدي محمد ددش" بالسجن المركزي بالقنيطرة منذ سنة1999 حتى الإفراج عنه بتاريخ 07 نونبر2001. وبعده المعتقل السياسي السابق عبد الله لخفاوني بنفس السجن. والمعتقل السياسي السابق أحمد الناصيري بالسجن لكحل الرهيب بالعيون المحتلة والسجن المحلي بأيت ملول والمعتقلين السياسيين"بيبا مولاي أبا" و"محمود أباه" بسجن بولمهارز بمراكش والمعتقلين السياسيين بالسجن لكحل الرهيب وعلى رأسهم قيدوم الحقوقيين الصحراويين المناضل الكبير"إبراهيم الصبار" خلال خوضهم معركة الأمعاء الخاوية التي فاقت أيامها الثلاثين أكتوبر2006 حيث كنت عضو خلية المتابعة لهذا الإضراب المفتوح المشتركة بين لجنة الدفاع عن حق تقريرمصيرشعب الصحراء الغربيةcodapso والجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية asvdh هذه الخلية كانت مشكلة من أربعة أفراد تحت رئاسة قيدوم المعتقلين السياسيين سيدي محمد ددش وعضوية نائبة رئيس الجمعية المناضلة الكبيرة الغالية دجيمي وعضو مكتب الجمعية المناضل الدحى الرحموني إضافة إلى عبد ربه. والذين استفدت كثيرا برفقتهم ونهلت من تجاربهم الكبيرة. كما كانت لي تجارب أخرى رفقة المعتقلين السياسيين الصحراويين السابقين "ددي حمادة"و"أحمد الموساوي" بالسجن لكحل الرهيب وكانت آخر التجارب، متابعة أوضاع الطلبة المعتقلين السياسيين الصحراويين التسعة محمد علي ندور ورفاقه بالسجن المحلي بسلا المغربية، حيث أحط الرحال بين ثنايا زنازينه الآن، هذا عن المتابعة،  أما بقية التجربة النظرية فأستقيها من شهادات المعتقلين السياسيين الصحراويين على طوال السنوات الماضية. هذه الشهادات التي تصف بدقة مختلف التجارب التي مر منها هؤلاء. تعد بمثابة المراجع الهامة التي يتطلب من كل مناضل ووطني مهدد في أية لحظة بالاعتقال أن ينهل من ينابيعها من أجل الاستفادة وعلى كل معتقل أو مختطف أن يبصم على شهادته وتقاريره حول واقع المخافر والمحاكم والسجون من أجل التوثيق للتجربة أولا ومن أجل ايجاد مراجع لخزانة الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي لتكون بمثابة تدوين للماضي وبوصلة للحاضر ودليل ومرشد للمستقبل في ظل واقع الاحتلال بسياسته التي تحيل على الاستمرار في الانتهاكات والخروقات.

وفي اطار مقولة ( الذكي من يستفيد من تجارب الآخرين ).

دلفنا الى ساحة حي (هـ)، هذا الحي هو أحد الأحياء التي يتكون منها هذا السجن حيث هناك أحياء أخرى، مثل حي (أ) و (ب) و (ج) و (د) و(م1) و(م2).

ويتكون حي (هـ) من جناحين أحدهم هو المقابل للساحة و يضم 6 زنازين مخصصة للسجناء المسنين والمعاقين، وزنزانة مخصصة للوافدين الجدد أو الباجدة)، وهناك باب من الحجم المتوسط بالمحاذاة مع زنزانة (لباجدة) موصل للجناح الأخر حيث توجد مصحة السجن و بها غرفتين للسجناء المرضى في الطابق السفلي وغرفة أخرى من الحجم الصغير وهناك طابق علوي يضم تسعة غرف انفرادية من الحجم الصغير وثلاثة زنازن من الحجم المتوسط مخصصة للتكوين المهني، عبرنا هذه الساحة مباشرة نحو زنزانة (لباجدة)، اصطفينا أمام بوابتها المسيجة بالقضبان. تمت المناداة علينا بالأسماء، وعندما انتهوا من العملية المهينة والشبيهة باقتياد الرعاة لقطعانهم نحو الزرائب. فتح الباب وأمرنا بالولوج. أول ما أثار انتباهي هو وجود سجناء اخرين بالزنزانة،  هذه الأخيرة كانت مبللة فيما يبدو أن حملة تنظيف انتهت قبل قدومنا بقليل، اغلقوا الباب عندما دلف الجميع حيث أصبح العدد الاجمالي لنزلاء الزنزانة 56 سجينا بزنزانة لا تتسع طاقتها الاستيعابية لهذا العدد، و طولها تقريبا 8  أمتار وعرضها 5  أمتار. وفي أحد أركانها يوجد مرحاض طوله مترين وعرضه متر بدون سقف وبه صنبور في حاجة الى اصلاح حيث يتعذر عليه ايقاف الماء المتدفق ببطئ قاتل.

بقيت في أول الأمر متسمرا في مكاني اتفحص المكان والوجوه وأتلمس لي رقعة بهذه المقبرة، مشغول البال بهول المكان، لم أكن  الوحيد على تلك الحالة، هناك غيري من الجدد على هذا العالم، لكن بالمقابل هناك آخرين استئنسوا بهذه الظروف، قهقهاتهم وصراخهم تحيل على الألفة والاعتياد صرخ أحدهم في الجميع: (أنا هنا رئيس الغرفة وعليكم طاعتي. و بدأ مسلسل التعليمات يتناسل من ثغره: عليكم الانتظار حتى حلول الليل من أجل استلام الافرشة والاغطية...على الدخنين أن يطفئوا سجائرهم بعيدا عن أرضية الزنزانة... بعد الساعة الثانية عشرة ليلا سأطفأ الأنوار...) تلك أمثلة على نوعية التعليمات التي تلاها ذلك السجين على مسامع الجميع دون استثناء.

كان يتحدث بنبرة لاتخلو من زهو و استقواء، كان يترنح في مشيته كديك بري، و كان بين الفينة والأخرى يطعم كلامه بتهديدات مصحوبة بوابل من السب لكل من سولت له نفسه التمرد أوالخروج على النظام الذي يرأسه وحدد قواعده. كنت حينها أتأمل هذا السجين القصير القامة و النحيف و ذو الملامح الأقرب الى الأسيويين. عرفت في اليوم الموالي أنه ذو باع طويل في عالم الاجرام وذا صيت داخل أوكار الجريمة والانحراف، وأنه لا يخرج من هذا السجن إلا من أجل ان يعود إليه بعد برهة. كانت الساعة تقترب من الساعة السادسة مساءا حيث بدأت أشعة  شمس ذلك اليوم في الرحيل وبدأ الليل في الزحف ببطئ، أخذ أحد السجناء خرقة اقتطعها  من باب المرحاض، الذي لا يعدو أن يكون نصف غطاء بالي يبس بفعل القدم و القذارة. وأخذ يجفف الأرضية المبللة، كانت الزنزانة ضيقة وكنا على كثرتنا نتنقل من زاوية الى أخرى من أجل افساح الطريق للتنظيف.

حل الليل و تخطى ذلك ساعتان،  ولم نسلم الأفرشة والأغطية، و بدت وعود (رئيس الغرفة... !) في التبخر، خاصة و أن الجميع انخرط في موجة من التدخين بلا انقطاع وبدأت أعقاب ورماد السجائر في التهاطل على أرضية الغرفة، وظهر مع كل ذلك أن تعليمات السجين المسؤول ليست سوى استعراض للقوة لا غير. وهي مقدمة للابتزاز خاصة للسجناء الضعفاء والمغفلين.

كنت مستندا على الحائط وذلك لوحده مكسب في ظل الاكتظاظ الخانق، حيث يصبح الحائط مطمعا للجميع من أجل الاستناد، انخرط الجميع في الجميع في نفث الدخان وتبادل التعارف وتناسل الأسئلة خاصة حول التهم  والجرائم واستعراض السجلات الانحراف كان الحشيش كالعادة حاضرا بقوة، لفافات هنا و أخرى هناك، وقهقهات هستيرية تزيد من حدة الضجيج والجلبة التي تسود الزنزانة التي تحولت إلى فوهة بركان أو مدخنة عتيقة بفعل مختلف الأدخنة التي تجمعت لتحجب عن الجميع الرؤية و كأنها ضباب كثيف، لم يدوم صمتي طويلا حيث انضميت إلى تلك الضوضاء بموجة من السعال الحاد بسبب روائح الحشيش الكثيفة التي قطعت على أنفاسي.عند حلول الساعة العاشرة ليلا قدم موظفين محملين بالأفرشة بدأ (رئيس الغرفة ) في توزيع الأفرشة والأغطية، كان نصيب كل ستة سجناء غطاء واحد فقط وهو في حد ذاته الفراش، لم يجادل أحد على هذا الخصاص بل سارع الجميع إلى الانقضاض على النصيب، و بدأت حملة بسط الأفرشة على الأرضية المبللة والتي لم تنفع معها تلك الخرقة.

و أضحت الأرضية مغطاة بالكامل أفرشة لا تعدوا أن تكون مجرد أوراق بفعل  اهتزائها و قدمها و قلة سمكها  واكتنازها، دعاني بعض السجناء الذين كانوا برفقتي بسيارة الشرطة أثناء العودة من المحكمة، حيث سيطروا على ركن محاذي للمرحاض، استجبت لدعوتهم خاصة بعد أن أوشكت علة الانهيار من شدة التعب جلست بينهم وأسندت ظهري للحائط مما سمح لي بمشاهدة الزنزانة بالكامل، وقعت مشاجرات عديدة بين السجناء بسبب الأفرشة حيث تسود الأنانية و النرجسية في إطارها المطلق، ظلوا على تلك الحالة لقرابة الساعة (رئيس الغرفة !!!) كان له نصيب الأسد من الأنانية حيث أخذ لنفسه ولرفاقه الحصة الوافرة من الأفرشة والأغطية، حيث كان برفقة مجرمين آخرين لا يقلون عنه عربدة و استقواء. كنت حينها أتوق إلى الاستسلام لنوم عميق وبذاك أضرب عصفوريين بحجر واحد، أخذ قسطا من الراحة وأرحل بعيدا عن هذا الواقع المأساوي، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فالعدو الذي كان متربصا كان أقوى من أضغاث أحلام التي ترخي بظلالها في تلك اللحظة. هذا العدو الذي أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستعداد له كما الاستعداد للحرب، هو البرد القارس، وخاصة ذاك المنبعث من الأرضية المبللة التي ليس بيننا وبينها  حائل عدا غطاء بالي وقذر لا يقي من البرد، كان عدوا شرسا بحق، وهو الذي رافقني بمخافر الشرطة بأكادير والرباط وها هو الآن يأبى إلا أن ينغص على حياتي ويستل رماحه وسيوفه ويبدأ الوخز ومهاجمة جسدي المهترأ والمجهد،  لم أستطع الصبر تحت الفراش وجلست عليها وأخذت معطفي العزيز ورفيق الدرب ووضعته حائلا بيني و بين الحائط، وبقيت على تلك الحالة، كنت أبحث عن أي شيء ألهي به نفسي و أتناسى معه هذا البؤس، لم أجد سوى مفتاح تأمل الوجوه والتصرفات الدرامية التي تعج بها الزنزانة  وبدأت بالفعل خاصة وإن حب الاستطلاع ورغبة التنقيب سمات غرزتها فينا سنوات الجامعة والبحث العلمي.

كانت الزنزانة تضم 56 سجينا، منهم 6 تفوق أعمارهم 50 سنة و البقية تتراوح أعمارهم بشكل تقريبي بين 16 سنة و 50 سنة، وغالبيتهم من الشباب.

كان عدد المدخنين 49 مدخنا، و مدخني الحشيش 36 مدخنا، أي ما يفوق النصف. كنا فقط 4 من أصل 56 الذين يؤدون الصلوات. وبلغ عدد الملاسنات 13 مرة والمواجهات 4 استعملت فيها اللكمات والتهديد بالسلاح الأبيض الذي هو عبارة عن شفرات للحلاقة وأغطية علب السردين المضغوطة على شكل سكاكين كانت ثلاث مجموعات بما فيها مجموعة رئيس الغرفة تتوفر على أفرشة وأغطية كافية بينما البقية اكتفت بفراش بالي بدون غطاء لكل مجموعة.

كان بعض السجناء الاستثنائيين خارج الزنزانة هم المزود لزملائهم بكل ما يحتاجونه من أكل و شرب و حتى مادة الحشيش و اللفافات، حيث هم الوسطاء بين نزلاء الزنزانة وسجناء تجار في الزنازين المحايدة والأسئلة المطروحة هي: من أين لهؤلاء السجناء الاستثنائيين  أو ما يسموهم ب "الكونداليات " بهذه الحرية ؟ وكيف لموزعي المخدرات وتجارها أن يبيعوا منتجاتهم بهذه البساطة ؟ ومن أين لسجناء الزنزانة بهذه النقود ؟ وجميعا تعرضنا لتفتيش دقيق  ومهين  هذه الأسئلة وغيرها تكفل أحد النزلاء الذين يتقاسمون معي الفراش البالي بالإجابة عندما وجهتها له  كما تكفل زمن ما بعد "لباجدة " بالإجابة المستفيضة عنها وبإسهاب كاف، قال لي السجين بكثير من الاستهزاء، أنت أيها الصحراوي في عالم السجن، حيث الانحراف والإدمان والجريمة وحيث التواطؤ بين بعض السجناء الاستثنائيين وبعض الموظفين الذين يوفرون لهم الحماية ويسلسلون لهم الطريق. و قال إن التفتيش الذي تعرضت له أنت لم يكن بنفس الطريقة مع البعض، وكميات الحشيش الموجودة في السجن تفوق ماهو متوفر بالخارج، والحرية التي يحوزها الموزعين والشبكات داخل السجن يفتقدها أهل الميدان خارج أسواره، فعلى الأقل أولئك يحتاطون من الاعتقال والزج بهم في السجن أما هؤلاء فهم بين تلا فيفه ولا خوف عليهم و لا هم يحزنون.

و قال : بأخي أنت الآن في زنزانة " لباجدة " حيث البداية فقط ومنذ الاثنين المقبل سترى العجب العجاب بالأحياء الأخرى التي سنوزع عليها مثل القطعان، أنهى السجين حديثه القصير معي، وانشغل بدوره في إعداد لفافة حشيش، عدت بدوري إلى التأمل في الوجوه من جديد قادني تأملي إلى مخفر الشرطة بأكادير حيث قضيت يومين ومخفر الشرطة بالرباط حيث قضيت يومين آخرين  وحيث شاهدت نزلاء المخفرين مناظر ليست بعيدة عن ما أراه الآن، فالشيء المشترك بين نزلاء السجن هو انتشار ظواهر الانحراف والإدمان وخاصة إدمان الحشيش بين صفوفهم، إنها ببساطة مرآة عاكسة للواقع المعاش في المغرب.

وما لا يدركه هؤلاء للأسف وعلى رأسهم هذا الذي يتمدد بمحاذاتي منتشيا لذة خاطفة تختزلها لفافته القاتلة ببطء، أن المشكل أكبر من ذلك فصناع القرار بالمغرب لم يقتصروا على السيطرة على شعبهم وعلى ثرواته و آرائه و مقدراته بل باعوا دولته بالجملة في أسواق الخوصصة،  وعملوا على تدمير البناء المعنوي لشعبهم ودفنوه بين أكفان لفافات الحشيش الذي يتربع المغرب على عرش منتجيه ومصدريه. وبين زجاجات الخمور  ونفحات الكوكايين والكيف  ما لا يفهمه هؤلاء للأسف أن نظامهم فتح أبواب الهجرة وسواحل البحر والمحيط وأوجد قوارب الموت لترحيل جزء من الشباب والطاقات الحية والأدمغة والمثقفين، والبقية موزعة بين متاهات الانحراف والإدمان  وغياهب السجون.

مالا يفهمه هؤلاء هو أنهم سهلوا المأمورية لنظام مستبد أرعن، فبدل أن يحولوا الاحتقان السياسي والاجتماعي إلى هبة قوية من شأنها تغيير الواقع المأساوي الذي يعيشون على إيقاعه، هاهم ينساقون من حيث لا يدرون نحو ما يريده النظام، كنت سابقا قد قرأت الكتاب القيم للكاتب الأمريكي" جون واتربوري"  تحت عنوان:" أمير المؤمنين " حول المغرب. هذا الكاتب الذي خبر المغرب جيدا منتصف الستينيات التي عرفت أحداث كبرى كانتفاضة 23 مارس 1965 التي سقط فيها عدد كبير من الشهداء  وحالة الاستثناء التي استمرت لسنوات جاء في كتابه الشافي أن في المغرب تسود جدلية " التوتر والجمود " حيث الجميع ناقم على الوضع لكنه في نفس الآن لا يحرك ساكنا لتغيره، ومن خلال دراسة سوسيولوجية بسيطة لساكنة هذه الزنزانة، خاصة وإن تجرأنا على مناهج البحث العلمي و بالأخص المنهج الوصفي، فإننا يمكننا اعتبار هؤلاء عينة لنزلاء السجون المغربية ، و يمكن أن نجري على هذه العينة اختباراتنا و فرضياتنا.

56 سجينا، غالبيتهم شباب،36 منهم مدمني مادة الحشيش، غالبيتهم توقفت مسيرتهم الدراسية مبكرا وفي حدودها الدنيا، يعانون من أشد الآفات الاجتماعية فتكا، فقر مدقع، بطالة سرمدية، سكن غير لائق، أمية مكبلة، وأحلام بسيطة بغد مشرق وزاهر سخط على الواقع، غياب عن المشهد السياسي، وأمل متجدد نحو هجرة شرعية أوغير ذلك على متن أول قارب نحو الموت أو الوصول لأية صفة حتى و إن كانت أمعاء حيتان البحر .

كانت مشاهد مغرية لأي باحث، حينها قررت أن أعتبر نفسي زيادة على كوني سجين سياسي على خلفية قناعات سياسية راسخة و نضال سلمي مناهض للاحتلال  سأتجرأ على البحث في العلوم الاجتماعية، وزيادة على هذا النضال من داخل السجن اللعين بمعارك الأمعاء الفارغة وكل ما يلزم. سأستغل هذه الفرصة المفروضة واختزلها في التأمل والتحليل والدراسة والتدوين والتوثيق لهذه التجربة.  وبذلك أتناسى هذه القضبان وهذا الواقع المزري و المأساوي و أقلب الأدوار على رأي الشاعر  والمناضل التركي الكبير "ناظم حكمت " حيث جعل من السجان مسجون ومن المسجون السجان بمجرد أن تمرد على ما يريده السجان  وتفانى في أن يكون كما يريد حينها تسلحت بمفاتيح التأمل  ولتحليل ولما لا الملاحظة و المقابلة. أصابني التعب من طول الجلوس، وهممت بالوقوف وبشق النفس استطعت أن أعدل من وقوفي بسبب تقلص عضلات الركبتين، تسمرت وواقفا للحظات وبدأت في الخطوات الأولى لرحلة  الوصول إلى  باب الزنزانة، ومرد الصعوبة في ذلك يعود إلى تلك