بين راماييل وبالتازار: حكاية مغرب الاغتيال والإبادة
تأبى الأقدار مرة أخرى ألا يمر شهر أكتوبر مرور الكرام،
دون أن تنبعث من ثنايا أيامه روائح الدم والدموع، هذه
الأخيرة التي قد تخرجها الفرحة من العيون، مثلما تفعل
الأحزان، وذاك الدم الذي تخضب به الأرض ذودا ع
نها
أو يراق جورا وظلما .
هذا الشهر الذي عبرت فيه ذات سنة من سنوات السبعينات
القوات المصرية نحو تحرير أرضها المغتصبة من الصهاينة،
ليكون علامة على التحرير وينتزع منه يومه السادس عنوانا
براقا لذكرى نشوة الانتصار، أبت الدولة المغربية بعد ذلك
بسنتين إلا أن تجعل من نهايته ذكرى شؤم لشعب عربي صحراوي
أصيل، اجتاحت أرضه الطاهرة العذراء، بغرض فض بكرتها
المفعمة بخيرات الدنيا وجنات فردوس، بعد أن استعصى ذلك على
صعاليك آخرين قبلهم، قادمين بدورهم من الشمال، قعدوا لها
قرابة قرن من الزمان دون أن يجنوا سوى الرفض والصد والطرد
إلى حيث جاؤوا، لأنها ببساطة لا تقبل سوى أبناء العمومة،
الذين وفي نفس الشهر من ذاك العقد، كانوا قد نقشوا بكل
الأظافر على حجر " عين بنتيلي " خدوشات وحدتهم وفك أسر
عذرائهم . هذا الشهر وإن عاد هذه السنة، بعناوين وذكريات
ألفنا تخليدها منذ عقود ( 12 و 31 أكتوبر)، وأخرى منذ
سنوات ( الشهيد حمدي لمباركي )، فإنه جاء هذه المرة بجديد
كان مؤجل لسنوات، يأبى إلا أن يقتطع هذا الجديد لنفسه وفي
هذا الشهر، دلالات تحيي في الشعبين، الصحراوي والمغربي،
ذاكرتين نخرتهما عنجهية نفس النظام، من خلال احتلال الأول
وقمع الثاني. هذا الإحياء، أعاد وهجه مضمون مذكرات القاضي
الفرنسي " باتريك راماييل " المكلف بالتحقيق في اغتيال
المعارض الشهير " المهدي بنبركة " بتاريخ 29 أكتوبر 1965،
الصادرة بتاريخ 22 من أكتوبر الجاري ، والقاضية باعتقال كل
من الجنرال " حسني بن سليمان " والجنرال " عبد الحق
القادري " وثلاثة آخرين، على خلفية تورطهم في هذه الجريمة
الشنعاء. مثلما أعاد وهجه إعلان القاضي الاسباني "
بالتازار غارثون " بعد القاضي الفرنسي بأسبوع، بدءه
التحقيق حول الإبادة المقترفة من قبل الدولة المغربية في
الصحراء الغربية منذ احتلالها الأراضي الصحراوية سنة 1975،
ضد مجموعة من الموظفين السامين في النظام المغربي قارب
عددهم الثلاثين، وعلى رأسهم نفس الجنرالين سالفي الذكر.
والنبش في حيثيات وظروف وخلفيات الحدثين المميزين وفق
المنهجين التحليلي والمقارن أوصلنا إلى استنباط الآتي :
• جاء إصدار القاضي الفرنسي لمذكرات اعتقال المتورطون في
جريمة الاغتيال، بتزامن مع زيارة رأس النظام الرئيس
ساركوزي للمغرب، مثلما جاء إعلان القاضي الاسباني بدءه
التحقيق في جرائم الإبادة، بتزامن مع زيارة رأس النظام
القادم ولي العهد الاسباني لنفس البلد، ونحن هنا لسنا في
صدد التنقيب عن احتمالات الصدفة من عدمها أو المغازي
الكامنة وراء توقيت الإصدار والإعلان، لكننا نرى في ذلك
صدفة أخرى لا تقل غرابة، لنموذجين للقضاء المستقل لدولتي
شبه الجزيرة الإيبيرية، فرنسا التي كان لنظامها نصيب في
جريمة الاغتيال ينبري قضائها لنصرة الشعب المغربي الشقيق
عبر محاولته كشف حقيقة اختطاف واغتيال رمزا من رموزه،
واسبانيا التي كان لمؤامرة نظامها المشؤومة تمهيد لجريمة
الإبادة، ينبري قضائها لنصرة الشعب الصحراوي عبر التحقيق
في جرائم راح ضحيتها خيرة أبناءه وبناته. وبين ذاك القضاء
وهذا، وذاك النظام وهذا، وذاك الشعب وهذا، تاريخ من
النزاهة، والاحتلال والتضحيات... والحقائق أيضا التي ملت
الرفوف الموصدة !.
• شكل بروز حدثي هذا الشهر الجديدين، نوعا من إعادة
الاعتبار للحقيقة أولا، وللشعبين الصحراوي والمغربي اللذان
عانا الشئ الكثير ثانيا، وبالمقابل كانا بمثابة إدانة
جديدة من العيار الثقيل للدولة المغربية، التي لا طالما
عملت على إغراق تلك الحقيقة بموكب من الأكاذيب - على رأي
تشرشل -، كما زكيا ما ذهبت له العديد من المنظمات الحقوقية
الصحراوية، المغربية والدولية، بضلوع دولة الاحتلال في
جرائم ضد الانسانية في حق الشعب الصحراوي المستعمر (بفتح
الميم) والشعب المغربي الشقيق.
• جاء الحدثين في نفس الشهر (أكتوبر)، وذاك يعد إعادة
اعتبار ربما غير مقصود لهذا الشهر الذي ارتبط بذكريات
مشؤومة للشعبين، فهو نفس الشهر - وبالضبط في نهايته- الذي
اغتال فيه نظام الحسن الثاني رمز المعارضة الأول، واحتل
فيه نفس النظام الأراضي الصحراوية، رغم فارق السنين، ليكون
هذا الشهر وعبر عقود من الزمن مسرحا للجرائم البشعة من
جهة، ومحاولات الاقتصاص من بعض مرتكبيها من جهة أخرى .
• مذكرات القاضي الفرنسي وجدت لها حيزا كبيرا في مختلف
وسائل الإعلام المغربية، وهي متعلقة بملف جريمة حازت عبر
أربعة عقود من الزمن اهتماما كبيرا ومتابعة مكثفة من أوساط
الإعلام والمنظمات الحقوقية المغربية خاصة في السنوات
الأخيرة، راح ضحيتها مغربي واحد، وشهدت وقائعها دولة احتلت
المغرب فيما مضى، بينما تحقيق القاضي الاسباني لم يجد له
نفس الحيز في وسائل الاعلام وكذا المنظمات الحقوقية
المغربية للأسف، مثلما لم تجد الإبادة أصلا نفس ما حازته
عملية الاغتيال، رغم كونه يتعلق بجرائم لا جريمة واحدة،
وعلى رأسها أخطر الجرائم وهي الإبادة الجماعية، وللمئات من
الصحراويين لا لشخص واحد، وفوق أرض يحتلها المغرب. وهنا
لست بمقلل من بشاعة جريمة الاغتيال، بقدر ما اطرح تساؤلات
حول حجم التناول رغم ضخامة الفروق بين القضيتين .
• الحدثين في حد ذاتهما رغم كونهما يتعلقان بنفس الجاني، و
يجمعهما عنصر * الانتهاك *، إلا أنهما يفرقان بين قضيتين
مختلفتين في معطياتهما وسياقاتهما وظروفهما، فالاغتيال كان
لشخص مغربي يعارض نظام الحسن الثاني من أجل تصفيته بعد أن
استعصى عليه إسكاته ومساومته، بينما الإبادة كانت ضد شعب
صحراوي يرفض احتلال أرضه من طرف نفس النظام، فالقضية
الأولى قضية مغربية داخلية صرفة، والثانية قضية دولية
مسجلة في الأمم المتحدة، بين غاز اجتاح أرض غير أرضه، وشعب
يناضل بشتى الوسائل لتحرير أرضه المغتصبة . وإن كان
الاغتيال كفيل بلجم أخطر معارض لسياسة النظام، فإن الإبادة
رغم بشاعتها عجزت عن لجم شعب بأكمله، لازال كما كان موجود
على أرضه ويكافح رغم جسامة التضحيات لنيل استقلاله، وشتان
بين معارضة سياسة نظام واغتيال فرد، ومقاومة احتلال نظام
وإبادة المئات .
• وفي الأخير فإن هذين الحدثين وفي هذا الوقت بالضبط، الذي
يعج فيه الملف الحقوقي المغربي سوادا، بسبب مخلفات الماضي
و تكاليف الاحتلال الباهضة، لا شك أنهما سيكونان بمثابة
نقط جديدة تسجل في صالح الشعب الصحراوي التي قد تنهي إضافة
إلى أخرى الاحتلال المغربي حتى قبل الضربة القاضية .
هذا غيض من فيض مغازي كثيرة يختزنها الحدثين بلا شك،
وأقلام كتابنا ( بضم الكاف) المرموقة، و غياهب الغد البعيد
والقريب، كفيلة بنبشها وبسطها على مشرحة الواقع المجرد من
كل المساحيق.
الولي محمد الخليل/ العيون المحتلة
med.elkhalil@gmail.com