رسالة غالي زغام الى والده المبعد قصرا

أبي العزيز :
ها أنا ذا أكاتبك في الهزيع الأخير من ليلي الطويل الذي
سامرت فيه ذكرياتي المهترأة .
وإحساسي العميق المسيج بحامض اللحظات، بمعاناتك التي لا
تقل جسامة عن تلك التي أعيشها بين ثنايا غرفتي الباردة
والمظلمة ، سوى أني أقبع من خلف قضبان سجني الصغير الذي
يتحول بفعل فاعل إلى مجرد زنزانة بالسجن الكبير
" الوطن
المحتل " ، الذي نتقاسم فيه جميعا لحظات القسوة وسنوات
المأساة وندخر فيه حزنا لأيام الفرح ، ونكف دموعنا ونشعل
شموعنا ونختزن بؤسنا لنصر قريب
.
أبي العزيز :
كيف لي في هذه اللحظات أن انتشل قلمي من بين براثن التمرد
على الكتابة ، وان أجد صفحات مهما كثرت ، لها القدرة على
قبول حبري الغارق في السواد.
وكيف لي أن أرتب أفكاري المشتتة ، وأستجمع تعابيري
المبعثرة، لأجل أن أنظم لك كلمات تستحيي خشية عدم إعطاءك
مقدارك الكبير والكبير .
وكيف لي أن أنتزع من ذهني الشارد في ليلي البارد ، عبارات
الشوق إليك والخوف عليك ، والكثير من الود الذي يختلج به
قلبي الحزين.
أبي
الغالي :
وأنت الذي كابرت عبر سنوات الزمن المر، لأجل تربيتنا بحليب
الوطن المسلوب ، ورغيف التضحيات في سبيل إعلاء كلمة الحق
المرغوب ، وأنت الذي لا طالما أعطيت باليد القصيرة ونظرت
بالعين البصيرة،
وكنت نعم الأب الوالد العطوف، وكنت سعيدي محمود بهاها خير
خلف لخير سلف .
أبي الرائع :
أبعدوك غصبا من السمارة المحتلة إلى كليميم ، وأجبروك على
ترحيل عائلتك الصغيرة فاخترت التضحية بإبعادك إلى إشعار
آخر
وكنت كبش فداء لنا جميعا ، لأجل الوفاء للوطن والمسكن
فطوبى لك أيها الأب الصبور، على وطنه غيور .
أبي الغالي :
وأنت الآن تجلس القرفصاء منزوي بأحد أركان بيتك المأجور .
وحيداَ تنخرك وساوس الفراق والاغتراب
والكثير من الشوق المؤجل لعائلتك ، وفلذات كبدك
وأنت الآن تنظر إلى الغد المجهول وإلى الأمس الملتف
بالمعانات والحاضر المجهد، والمكبل بالإبعاد والنفي
والتفكير في ابنك القابع بالسجن لكحل الرهيب.
أبي العزيز :
من زنزانتي المظلمة أتلو صحفي على مسامعك أيها الوالد
الوقور
وأرتب وسادتي التي أبكي عليها لحظات التعب والإنهاك في
ليلي الطويل .
وأبعث لك بألف قبلة ومثلها من الود الكثير.
وأنبأك...
أني لازلت كما انجنبتني وربيتني ، ابنك البار الوفي لك
ولوصاياك ولهذا الوطن الكبير .
ولازلت صامدا رغم المرارة والشدة والأمراض والعلل
ولازلت الصوت المدوي، وذاك البدن النحيل المقاوم لسياط
الجلاد . والشاب العنيد الرافض لمقولات الإذعان.
لازلت أجابه الغزاة يا أبي،
بأمعائي الفارغة وصوتي المدوي وصدري العاري وعزمي الناري
.
أبتاه...
طوبى لك على هذا الصمود ، وعلى هذا الجأش الربيط .
يا أب فضل الإبعاد على الرضوخ والتضحية على الإذعان
والنفي .
ابنك الوفي والمغيب وراء القضبان
غالي سعيدي محمود بهاها
السجن لكحل الرهيب
الرجوع للصفحة
الرئيسة |